فقراء بوليفيا خائفون على مكتسباتهم ومن سقوط موراليس في مواجهة المعارضة

05 نوفمبر 2019
الصورة
حققت بوليفيا نقلة بمواجهة الفقر (ناصر السهلي/ العربي الجديد)
+ الخط -

تزداد المخاوف هذه الأيام في بوليفيا من الانقسام حول الرئيس إيفو موراليس، في بلد يعد من أكثر بلدان أميركا اللاتينية فقراً، وفقاً لتصنيفات عالمية، وذلك على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية ورفض المعارضة فوز موراليس المحسوب على اليسار.


ويعد موراليس الأكثر اقترابا من الطبقات الفقيرة والسكان الأصليين، الذين يشكلون نحو 68 في المائة من نحو 11 مليون مواطن بوليفي، حيث يشكل ذوي الأصول الأوروبية وغيرهم من المهاجرين ما نسبته 20 في المائة، ويخشى فقراء بوليفيا أكثر على مستقبل بلدهم وما تحقق لهم من عدالة اجتماعية في ظل موراليس ومحاولاته الخروج بالبلاد من مستنقع الفقر.

الموارد الطبيعية في قلب الأزمة..
عندما وصل اليسار إلى الحكم لم يتردد موراليس في انتهاج سياسة تأميم موارد البلد الطبيعية، وبالأخص تلك المتعلقة بتأميم الغاز في 2006، ما أزعج نخبا محلية وخارجية. فموراليس إلى جانب كونه الرئيس الأول من الشعب الأصلي الذي حظي بشعبية كبيرة وصلت إلى 54 في المائة (للمرة الأولى منذ 1982) من أصوات الشعب، فرض أيضا اعتبار 36 لغة محلية لغات رسمية في البلد.
الموارد الطبيعية، وبالأخص الغاز في مناطق السكان الأصليين، ينظر إليها أحد المحللين البوليفيين، خافيير رودريغز، في حديث لـ"العربي الجديد" أنها "تلعب دورا رئيسا في كل هذا الذي يجري، ومحاولة خلق بيئة فنزويلية (نسبة إلى الأوضاع الاقتصادية والسياسية في فنزويلا) في بوليفيا للضغط من أجل تمرير صفقات يعارضها الاشتراكيون وموراليس شخصيا".
لا يخفي رودريغز أيضا أن "النمو الاقتصادي الذي تحقق خلال نحو 12 سنة من حكم موراليس خلق طبقة متوسطة أوسع باتت تشكل بحد ذاتها تحديا للنهج الاشتراكي لموراليس". ويبدو واضحا أن تلك الطبقة، التي تضم في صفوفها جيلا شابا، وبعضهم من أصول عربية، أصبحت "أقرب إلى يمين الوسط كانعكاس للثراء والارتباط العضوي بين جيل لم يعش معاناة الأغلبية والبرجوازية الحديثة في البلد"، بحسب ما يذكر الخبير في الشؤون اللاتينية، فوزي المشني في حديثه لـ"العربي الجديد" في ليما.
الإشارة إلى الفقر الذي عاشته بوليفيا يذكره البوليفي-الفلسطيني جورج بوريدا بالقول "بوليفيا في عصر موراليس استطاعت أن تخفض نسبة الفقر من 59 في المائة في 2004 إلى 39 في المائة في 2014 واستمر هذا الانخفاض وإن بوتيرة أقل خلال السنوات الأربع الماضية بحوالي 5 في المائة، ورغم ذلك ستجد للأسف من ينسى أن القصة ليست فيما إذا بقي موراليس في السلطة أم لا، بل فيما إذا كان فقراء البلد، الذين يشعرون بتحقيق بعض من العدالة الغائبة عبر التاريخ سيجري الحفاظ عليها فيما خرج الرجل من السلطة تحت تهديد شارع المعارضة".

يخشى السكان الأصليون عودة التهميش (ناصر السهلي)



وكانت المعارضة البوليفية قد أعلنت على لسان المنافس وزعيم المعارضة، كارلوس ميسا، يوم الاثنين أنها بصدد "الدفع نحو انتخابات جديدة". وذهب أحد أقطاب المعارضة المحافظة، لويس فرناندو كاماشو إلى حد التهديد بالشارع لإخراج موراليس من مكتبه. بل ذهب الرجل يوم الأحد الماضي لإعطاء موراليس "48 ساعة مهلة للاستقالة قبل أن نبدأ بالتحرك لضمان استقالته". موراليس اعتبر تلك الدعوات بمثابة "دعوة للانقلاب وإشعال الشارع لإراقة الدماء"، ليطالب وفقا لما نقلت الصحافة ووسائل الإعلام في بوليفيا، جيش بلده "الوقوف إلى جانب الشعب".
ويبدو أن "السيناريو الفنزويلي" الذي ذكره لـ"العربي الجديد" خافيير رودريغز هو ما تسعى إليه المعارضة، وخصوصا بتوجه أميركي ضاغط على المستوى الإعلامي والسياسي، ومحاولة تأليب دول الجوار على موراليس.
التحسن في أوضاع الفقراء الذين شكلوا خزانا انتخابيا لموراليس، تذكره سيسليا ناردنرين بكثير من الخشية. فهي تتخوف في حديثها لـ"العربي الجديد" من أن "جيلا كاملا نسي كيف كانت الحياة قبل 14 عاما، كنت بنفسي لا أحصل على أكثر من 500 بوليفانوس، اليوم دخلي الشهري من عملي الخاص يفوق 2300 بوليفانوس ما يمنحني فرصة العيش الكريم ومساعدة أسرتي، وأخشى بشكل جدي أن تذهب البلاد إلى وضع فنزويلي". فالتضخم في فنزويلا أثر بشكل كبير على وضع البلد ومواطنيه الذين اندفع مئات الآلاف منهم للهجرة والعمل بكل ما هو متاح، وليس غريبا أن تجد في ليما مهندسا فنزويليا يعمل في محل حلاقة، أو انتشار استغلال واضح لنساء فنزويلا في دول لاتينية مختلفة.
وبكل الأحوال، يبدو حالة تنازع السلطة، وما تخفيه من أسباب حقيقية تتعلق بالمال والثروات والنفوذ وارتباط بين قوى محلية وأميركا، على ما تذهب على الأقل وسائل الإعلام المؤيدة لليسار وموراليس في البلد ودول الجوار، أثرت بشكل واضح في البيئة التي سادت خلال السنوات الماضية بتحسن عمل مؤسسات الدولة إلى وضع أشبه بشلل تهدد المعارضة بمزيد منه.
ولا يخفي معارضو موراليس انتقاداتهم أيضا لما يسميه بعضهم "مأزق الأنا في السلطة". فبناء الرجل في 2017 متحفاً في بلدته، أورنوكا، بحوالي 9 ملايين دولار، لاستعراض حياته الشخصية، وإن سمى المتحف باسم "متحف الثقافة والثورة الديمقراطية" وهو الذي يعرفه الشعب باسم متحف إيفو، لم يكن سوى نقطة إضافية تخيف الناس من تحويل البلد إلى أمر واقع شبيه بفنزويلا من حيث جمود وتراجع الأوضاع، وفقا لما يذكر رودريغز لـ"العربي الجديد".

تخوف من تدهور الاقتصاد ببوليفيا (ناصر السهلي)



أما تحقيق موراليس لنسبة أقل من 50 في المائة في الانتخابات الرئاسية، واستمرار حراك الشارع والتنافس عليه لا يبدو أنه سيخفف من وطأة الانقسام في بوليفيا. وبين معسكرين ينقسم أيضا عرب هذا البلد اللاتيني بين مؤيد ومعارض لموراليس، فيما آخرون يرفضون أن يزج بعشرات آلاف المواطنين من أصول عربية وفلسطينية بين هذا وذاك من المعسكرات ككتلة وإن كانوا يرون أن "الناس أحرار في من يؤيدون ويرفضون، ومن الخطأ إعطاء إشارة مثلا أن الفلسطينيين ككتلة يؤيدون معارضة موراليس في الشارع، فحكومته وقفت مع اليسار وقفة قوية مع قضية فلسطين، ولا يجب القبول بالزج بنا في أتون ما يجري كما جرى خلال عصر الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية"، وفقا لما يختم الناشط البوليفي الفلسطيني الأصل جورج بوريدا.
الخروج من الفقر.. مخاوف العودة إليه
منذ وصول الرئيس موراليس إلى حكم بوليفيا ديمقراطيا في 2006، في بلد شديد التدين الكاثوليكي، كحال جاراتها في القارة اللاتينية حاول أول رئيس يساري الخروج ببلده من الفقر المدقع، مثلما خرجت البلاد من رحلة طويلة من الانقلابات العسكرية والديكتاتورية حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
ورغم وقوع البلد بين أرض جبال الأنديز، وتأثير التغيرات المناخية، وخصوصا المعاناة مع الجفاف منذ 2016 في أقدم مجتمعات الزراعة قبل آلاف السنين، وحرمانه من شاطئ بحري حيث تفصلها بيرو وتشيلي عن المياه، إلا أن التطور الذي حصل على مدى عقد ونيف من الإصلاحات في فترة موراليس قفزت بالبلد من مرتبة 33 فقرا إلى المرتبة 15 في دول القارة اللاتينية والكاريبي. فشعبية موراليس لم تأت فقط لأنه أول رئيس من الشعب الأصلي، بل بمواجهته بصرامة العنصرية التي كانت متفشية بحق هؤلاء الفقراء، على مستويات الفرص والعمل والدراسة والتأمين الصحي.


في 2005 كانت بوليفيا وفقا لمؤشر التنمية البشرية الأفقر بين دول اللاتينية، لكن سياسات حكومة موراليس أنجزت الكثير من العدالة الاجتماعية بالنسبة للطبقات المهمشة. فبعد نحو 9 سنوات من مشاريع اقتصادية وتنموية حققت بوليفيا قفزة بنسبة 6 في المائة في النمو الاقتصادي، وشهد عام 2013 تقدما بنسبة تصل إلى نحو 7 في المائة، وبقيت النسبة في المتوسط عند حدود 5 في المائة. وبالرغم من اعتراف المعارضين، إن في الشارع المحتج على بقاء موراليس في السلطة، أو على مستوى الطبقة السياسية في يمين الوسط الليبرالي والداعي لعصيان واحتجاجات، بما أنجزته مشاريع العدالة الاجتماعية في بوليفيا والنمو الذي فاق فترة حكم الليبراليين حتى عام 2004، إلا أن مصالح كثيرة متداخلة تجعل من بعضهم يتحالف بوجه الرئيس موراليس وحزبه.

المساهمون