فساد أممي... "الصحة العالمية" و"يونيسف" بعد "أونروا"

06 اغسطس 2019
الصورة
الاحتياجات هائلة والفساد يضرب مصداقية المنظمات (عيسى أحمد/فرانس برس)

بينما تستمر الحرب في اليمن ومعها الانتهاكات من مختلف أطراف الصراع، لا تبدو الأمم المتحدة بمنأى عن هذه الانتهاكات، وإن ارتبطت أكثر بشبهات فساد مختلف الأشكال عبر وكالاتها العاملة في البلاد

في غضون أيام قليلة، كشف عن أكثر من فضيحة فساد في وكالات ومنظمات الأمم المتحدة، حتى تبدو الهيئة الأممية التي لطالما دعت من خلال مكاتب ووكالات متعددة إلى الشفافية وقدمت نماذج عالمية راقية على هذا الصعيد، واقعة في ما يخالف ما تدعو إليه. على الأقل، هذا ما تكشفه بعض التحقيقات التي بدأت الأسبوع الماضي، من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إذ قال تقرير سري، صادر عن مكتب الأخلاقيات في الوكالة، إنّ أعضاء في الإدارة العليا للوكالة، أساؤوا استغلال سلطتهم وسط ممارسات تشمل المحسوبية والتمييز وسوء السلوك الجنسي.

وبينما جرى أخذ وردّ حول شبهات هذا التقرير، والأبعاد السياسية المحتملة فيه لتصفية الوكالة التي تخدم أكثر من 5.4 ملايين لاجئ فلسطيني في خمس مناطق لجوء، جاءت أخبار فساد محتمل من منظمتين إضافيتين تابعتين للأمم المتحدة، على علاقة أيضاً بميدان عمل عربي.



عقود مشبوهة
فقد ذكرت وكالة "أسوشييتد برس" أمس الإثنين، أنّ تحقيقاً أجرته بيّن أنّ أكثر من عشرة من عمال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة، جرى نشرهم للتعامل مع الأزمة الإنسانية الناجمة عن خمس سنوات من الحرب الأهلية في اليمن، متهمون بالكسب غير المشروع، وتحديداً التعاون مع قوى الصراع، من جميع الأطراف، بهدف الإثراء غير المشروع من المواد الغذائية والأدوية والوقود والأموال المتبرع بها دولياً.

أكدت الوكالة أنّها حصلت على وثائق التحقيق الداخلية للأمم المتحدة، وقابلت ثمانية عمال إغاثة ومسؤولين حكوميين سابقين. وفي النتيجة، تبيّن أنّ المدققين من منظمة الصحة العالمية يجرون تحقيقاً في المزاعم بأنّ أشخاصاً غير مؤهلين جرى توظيفهم في وظائف ذات رواتب عالية، كما جرى إيداع مئات الآلاف من الدولارات في حسابات مصرفية شخصية للعاملين، والموافقة على إبرام عشرات العقود المشبوهة من دون توافر المستندات المناسبة، بالإضافة إلى فقدان أطنان من الأدوية والوقود المتبرع بهما.




كذلك، ينصب تحقيق ثانٍ أجرته منظمة أخرى تابعة للأمم المتحدة، وهي منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) على موظف سمح لقيادي من جماعة أنصار الله (الحوثيين) بالتنقل في مركبات تابعة للوكالة، ما يقيه الضربات الجوية المحتملة من قبل قوات التحالف السعودي- الإماراتي.

في كلّ الأحوال، يسيء هذا الوضع إلى سمعة الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه، يقول منتقدون إنّ هذا النوع من الفساد يهدد شريان الحياة الدولي الذي يعتمد عليه معظم سكان اليمن البالغ عددهم 30 مليون نسمة. ففي فبراير/ شباط الماضي، تعهدت الأمم المتحدة ومانحون من 16 دولة، بتقديم 2.6 مليار دولار لضمان استمرار وتوسيع نطاق عمليات المساعدة الإنسانية في اليمن. ومثل إجمالي هذه التعهدات التي قدمها المانحون الدوليون، خلال "المؤتمر رفيع المستوى بشأن إعلان التعهدات من أجل اليمن" الذي عُقد في جنيف، زيادة بنسبة 30 في المائة مقارنة بتبرعات العام الماضي البالغة 2.01 مليار دولار.

"رعاية كلب المسؤول"
وتتركز جهود منظمة الصحة العالمية في اليمن على مكافحة الأمراض الوبائية، خصوصاً الكوليرا والضنك والدفتيريا، كما تسعى إلى رفع أهلية القطاع الطبي في المجمل، مستفيدة من تلك المخصصات الأممية، التي تشمل برامجها. ويرتبط تحقيق المنظمة في عملياتها في اليمن على نيفيو زاغاريا، وهو طبيب إيطالي كان يشغل منصب رئيس مكتب المنظمة في صنعاء منذ عام 2016 حتى سبتمبر/ أيلول 2018، طبقاً لثلاثة أفراد لديهم معرفة مباشرة بالتحقيق. وجاء الإعلان العلني الوحيد عن التحقيق في جملة تقع بين 37 صفحة من التقرير السنوي للمدقق الداخلي لعام 2018 للأنشطة في جميع أنحاء العالم. ولم يذكر التقرير زاغاريا بالاسم. ووجد التقرير الصادر في الأول من مايو/ أيار الماضي أنّ الضوابط المالية والإدارية في مكتب اليمن كانت "غير مرضية"- وهو أدنى تصنيف لها- وأشار إلى مخالفات في التوظيف وعقود جرى إبرامها من دون منافسة، مع نقص في الرقابة على المشتريات.



من جهته، أكد المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، تاريك جاساريفيتش، لـ"أسوشييتد برس" أنّ التحقيق جارٍ. وأضاف أنّ زاغاريا تقاعد في سبتمبر/ أيلول 2018 ، لكنّه لم يؤكد أو ينفِ أنّ زاغاريا كان بالتحديد قيد التحقيق. وقال: "مكتب خدمات الرقابة الداخلية يحقق حالياً في جميع المخاوف التي أثيرت. يتعين علينا احترام سرية هذه العملية، ولا يمكننا الخوض في تفاصيل مخاوف بعينها".

بدورهم، ذكر أربعة موظفين حاليين وسابقين أنّ مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن - تحت قيادة زاغاريا- يعج بالفساد والمحسوبية. وذكر ثلاثة منهم أنّ زاغاريا استعان بموظفين مبتدئين- عملوا معه في الفيليبين- مع ترقيتهم إلى وظائف ذات رواتب مرتفعة بالرغم من أنّهم غير مؤهلين. وذكر موظفان أنّ "اثنين من هؤلاء حصلا على منصبين مرموقين، لكنّ دورهما الوحيد انحصر في الاهتمام برعاية كلب زاغاريا". وقال مسؤول إغاثي سابق إنّ "الموظفين غير المؤهلين الذين يتقاضون رواتب مرتفعة يقوضون نوعية العمل ومراقبة المشروعات، ويخلقون ثغرات كثيرة من أجل الفساد".




وبحسب الوثائق الداخلية، جرى الاتفاق مع شركات محلية لتقديم خدمات في مكتب عدن (جنوب اليمن، تسيطر حكومة عبد ربه منصور هادي على المحافظة) التابع لمنظمة الصحة العالمية، فتبين أنّها تضم أصدقاء وأفراد عائلات موظفي منظمة الصحة العالمية وبكلفة إضافية مقابل الخدمات. وشوهد صاحب شركة يسلّم نقوداً لأحد الموظفين، وفقاً لما تظهره الوثائق، وهي رشوة واضحة. وفي عهد زاغاريا، استخدمت أموال المساعدات المخصصة للإنفاق خلال حالات الطوارئ مع القليل من المساءلة أو المراقبة، وفقاً للوثائق الداخلية. وبموجب قواعد منظمة الصحة العالمية، يمكن تحويل أموال المساعدات مباشرة إلى حسابات الموظفين، وهو إجراء يهدف إلى تسريع شراء السلع والخدمات وسط الأزمة. وتقول المنظمة إنّ هذا الإجراء ضروري لمواصلة العمليات في المناطق النائية لأنّ القطاع المصرفي في اليمن لا يعمل بالكامل. وبما أنّ من المفترض أن تقتصر هذه العملية على حالات الطوارئ، فليس هناك شرط بأن يجري تحديد الإنفاق على هذه التحويلات المباشرة. وهكذا وافق زاغاريا على التحويل المباشر للأموال بقيمة مليون دولار لبعض الموظفين، كما ذكرت الوثائق. لكن، في كثير من الحالات، لم يتضح كيف أنفق هؤلاء الموظفون المال.

بحماية "يونيسف"
من جهتها، تنظر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في مزاعم ارتكاب موظفيها مخالفات في اليمن. وبحسب ثلاثة أشخاص مطلعين، يجري مراقبون في المنظمة تحقيقاً مع خورام جاويد، وهو باكستاني يشتبه في سماحه لمسؤول حوثي كبير باستخدام مركبة تابعة للوكالة، وهو ما منح المسؤول الحوثي حماية رسمية من الغارات الجوية التي يشنها التحالف السعودي- الإماراتي، إذ تراجع "يونيسف" تحركات سياراتها مع التحالف لضمان سلامتهم. وقد عبّر المسؤولون عن مخاوفهم من إمكانية استهداف مركبات المنظمة في حال ظنت قوات التحالف أنّها تستخدم لحماية الحوثيين.



وكان جاويد معروفاً بصلاته الوثيقة مع أجهزة الأمن التابعة للحوثيين. وقال زميل سابق له ومسؤول إغاثة إنّه تفاخر باستخدام علاقته لمنع مراقبي "يونيسف" من دخول البلاد، حتى أنّ الحوثيين أقاموا لوحة كبيرة له في أحد شوارع صنعاء، لشكره على خدماته، بحسب ذلك المسؤول. وأكد مسؤولون في "يونيسف" أنّ فريق تحقيق توجه إلى اليمن لفحص هذه المزاعم، وأعلنوا عن نقل جاويد إلى مكتب آخر لكنّهم لم يكشفوا عن موقعه.

وبحسب العديد من الأشخاص الذين تحدثوا إلى "أسوشييتد برس"، فإنّ هناك علاقات وثيقة بين موظفي الأمم المتحدة والمسؤولين المحليين في كلا طرفي الصراع؛ الحوثي وهادي. وذكر تقرير سري للجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن، فإنّ سلطات أنصار الله، تضغط باستمرار على وكالات الإغاثة، لإجبارها على توظيف موالين لها، وإرهابها بالتهديد بإلغاء التأشيرات بهدف السيطرة على تحركاتها وتنفيذ مشروعات بعينها. وقال مسؤول إنّ عدم قدرة الأمم المتحدة أو عدم رغبتها في معالجة الفساد المزعوم في برامج مساعداتها يضر بجهودها لمساعدة اليمنيين المتضررين من الحرب.




كذلك، ذكرت "أسوشييتد برس" أنّ "أدلة ثمينة" كان يحملها محققو الأمم المتحدة وهم يغادرون مطار صنعاء في أحد أيام أكتوبر/ تشرين الأول 2018، تتضمن أجهزة كومبيوتر محمول، وأقراصا، جُمعت من موظفي منظمة الصحة العالمية، صادرها الحوثيون، بعد إبلاغهم من طرف موظف في منظمة الصحة على صلة بهم، وذلك "خشية من الكشف عن سرقة تمويل المساعدات".