فؤاد بلامين أو رحلة الكينونة في أعماق اللوحة

22 مارس 2016
الصورة
من أعمال بلامين(العربي الجديد)
هو فنان متفرّد، في تجربته الفنية كما في مسيرها وتعرجاتها. وهو يعتبر بعد محمد القاسمي، بل بموازاته، أحد الفنانين المجدّدين في التشكيل المغربي بل والعربي المعاصر. وهو مجدّد لا لأنه اختار دوما الحفر عميقا في مكونات العمل الفني، شكلا ومادة ومعنى. لم يختر يوما اللعب على القضايا ولا ركوب موجات التحولات المعاصرة من غير أن تنبع من الداخل. عمله يتسم بالتناغم، ينزاح في تطوراته، لا يعرف منعطفات كبرى بقدر ما يعبّر عن نضجه المتوالي. وفي تعاطيه مع الأشكال والألوان والتلاوين تراه يجعل من جسد اللوحة محرابا للفكر الفني.
اللوحة لدى بلامين ارتحال عصيٌّ في كنف المادة، تستهويه بتلاوينها وتراكباتها، يشتغل عليها كسماوات باطنة ويراودها عن مفاتنها ومفاوزها السرية. إنه يذكّرنا بتلك الحكاية التي يسوقها ابن السراج في مصارع العشاق عن ذلك المتصوّف الذي رغب في جارية لا تضاهى في الجمال، وبما أنه لا يملك المائة دينار ليبتاعها بها طلب من الله أن تكون من حظه في الجنة على أن ينذر نفسه للصوم حتى مات عشقا. ثمة فعلا معاشرة للموت في أعمال الفنان. وهي معاشرة يعيشها الفنان منذ وقت ليس بالقصير في ما يشبه الرحلة الباطنية التي يتحول فيها البصر في افتتانه ببهجة الألوان إلى بصيرة مسكونة بالانمحاء. إن تجربة المحو والانمحاء هذه، والتي عايشتها أحيانا في قساوتها وشراستها وعنفها السادر، أشبه بالمجاهدة من حيث هي تماهٍ مع الفراغ واختمار للامعنى الأصلي وتفكيك متواتر لأواصر المرئي.
ليس غريبا أن تكون لبلامين هذه العلاقة مع النور والموت واللامرئي، فهو نشأ وترعرع في مدينة متاهية هي فاس، لا ترتاد الشمس أزقتها الضيقة المَتاهية وتحيط بها المقابر شمالا وجنوبا. وهو إلى ذلك عاش متخيلا غنيا مليئا بالحكايات والأسرار والغيبيات. ولعل هذا هو ما يفسر بعضا من هذه التجربة الغنية في بواطنها، المشتغلة على البرزخ الفاصل والواصل بين المعنى واللامعنى، وبين النور والعتمة كما بين الحضور والغياب...
يستدرج بلامين ذاته نحو تخوم المعنى، أحيانا بمراودة الرمزي في دلالاته الأخروية، وأحيانا أخرى بالسير توًّا صوب أواصره العميقة. من ثم ذلك الارتجاج الدائم الذي نحسّه كامنا بين الشكل والتشكّل التصويري الذي أخذ بنيانا هيكليا مجردا أشبه بالتابوت في السابق (التسعينيات)، ثم بألواح الحكمة، ثم في ما بعد أخذ بنيانا مدورا ليستقيم في شكل قبّة ضريح. ولأن الضريح يعبّر في الفضاء المعماري والاجتماعي المغاربي عن المعتقدات الشعبية الصوفية، فإنه بمعنى ما رُفات الحاضر وغياب فضائي للذات وتحويل لها إلى مسار من المعاني الحية والمتجددة المثيرة للأصل والمنتهى في الآن نفسه. إنه يخفي أكثر مما يفصح ويأخذ أشكالا متحولة، غير مفصح عن بوّاباته، ماثلا كشبح أو كخيال، يشير بزاويته إلى مركز ممكن للدائرة.
الرمزي يغدو هنا لعبة هندسية توحي ببساطتها إلى إمكان تكعيب معنى الوجود. ومن التابوت إلى الضريح تتشكل بشرة المعنى لدى بلامين إلى محاورة الموت كقضية وجود مجازية، لا في حقيقة عرائها المفقودة وإنما في انفلاتها نحو المتعالي. وكأنه بذلك يدثر جسده هُو في هذا الفضاء - الأفق الآهل بالحضور والغياب والنسيان والاستذكار.
يتخذ بلامين، ربما اقتفاءً لخطى الحلاج، من الشكل موطنا جوهريا لبناء الضياع المطلق للوجود الذاتي. يبني كعبته الصغرى ويفتح بوابتها من خلف اللوحة ليسكن بها وإليها. إنه بذلك يضاهي كل تلك العمليات النموذجية الأصلية التي من خلالها يكون الفرد حاضرا، وأشبه بالذاكرة الحية للآخر الذي عليه تنهض شرعية أفعالنا الحاضرة. وحين يستكين بلامين إلى قلعته الميتافيزيقية هذه يحس بوحدة واستوحاد، عليهما تقوم شروخ العمل الفني ومفارقاته وانفتاحاته وغنى وتعدد معانيه.
بلامين ليس من الفنانين المغرمين بقاعات العرض، مع أنه يشتغل باستمرار. وحين تأتيه لحظات الجفاف يكون ذلك بشكل ما إعلانا عن معاناة ما أو تجارب جديدة، قد تخرج عن اللوحة أو عن موضوعاته المعتادة. فحساسيته التي تسكن عينه ومسامه تمتد من الأشكال إلى القضايا الكبرى. ولعل هذه الحسية تتبدى بشكل أوضح وأجلى في الكشف عن جروح الجسد أمام أحداث العراق (التسعينيات) والدار والبيضاء (2003)، وحروق الزمن أمام تلاشي الجسم الإنساني وعلامات وجوده في الفضاء. ففي هذه اللوحات تأخذ المواد والتقنيات نفَسا جديدا باستخدام مواد حارقة. بل إن أشلاء الجسد تتبدى واضحة، أشبه بعلامات الدمار في لوحة أحداث الدار البيضاء. وفي فترة معينة بدأ الفنان يمارس فيها تشطيبا حركيا دائريا على شبح قبة الضريح التي اعتدنا أن تكون انسيابية وحركية وأشبه بالسماء. إنها لوحات تعلن عن مثوى جديد ربما يكون موْلدا أجدّ لهذه الذات المكتوية بعنف تستبطنه بالشكل نفسه الذي تستظهره.
في السنوات الأخيرة رأينا بلامين يمارس ضربا من التجريب المعاصر الذي أراد من خلاله
الخروج من فضاء اللوحة في أحاديته إلى ما يشبه المنشأة الفنية. وهكذا صار يزاوج بين لوحتين، الأولى فوتوغرافية لفضاء مجرد، والثانية تقريبا أحادية اللون. إنها تجربة سار بها بعيدا في التنوع، معبّرا بذلك عن المنطق الجمالي والفكري نفسه. وفي هذا السياق اشتغل مع فنان شاب في منشأة فوتوغرافية تشكيلية بحيث إن هذا العمل الهائل الذي عرضه فؤاد بلامين بمعية بمتحف مكسيكو أثار من الجدل ما جعل عرضه ذاك يكون الوحيد. يتعلق الأمر بتركيبة من اللوحات والصور الفوتوغرافية التي استعاد فيها الفنان اللوحة الشهيرة لغوستاف كوربي "أصل العالم" والتي يعود تاريخها إلى 1866. وقد اشتغل الفنان على نسخ متناضدة من اللوحة واضعا فوق العانة قبة ضريحه المعروف...
إن هذه المنشأة أبانت عن الطابع الفكري والمغامر لبلامين، من ناحية، وقدرته على الخروج من اللوحة متى رغب في ذلك كي يرتاد الكثافة التعبيرية للفن المعاصر. كما أنها جعلت منظوره وتجربته ينفتحان على الخصوبة التي يمكّن منها الفن المعاصر، وإن كان بلامين لا يمارس أي فصل بين الحداثة والمعاصرة ويعتبر أن الفكر الثاوي في العمل الفني وأصالته الإبداعية هو ما يمنح للعمل قيمته الفنية والجمالية... ولعل ذلك هو ما جعل من أعمال بلامين نموذجية في تعاملها مع المادة والشكل واللون كما مع الفراغ والمعنى والوجود والعدم...
تعليق: