غلق المعابر يخنق الجنوب التونسي وليبيا تتمسك بمنع التهريب

27 اغسطس 2018
الصورة
ليبيا تتمسّك بتحديد السلع المسموح بعبورها (فتحي ناصري/فرانس برس)
+ الخط -

لا يزال تعثر المفاوضات بشأن إعادة فتح المعابر الحدودية البرية بين تونس وليبيا يلقي بظلاله على الوضع الاقتصادي في الجنوب التونسي، الذي تأثر بشكل كبير نتيجة تواصل غلق أحد شرايينه الرئيسية لما يقارب شهرين، ما دعا مسؤولين وخبراء تونسيين إلى التعبير عن قلقهم من أن يطاول غلق المعابر نشاطات تجارية في محافظات أخرى، بينما يتمسك الجانب الليبي بضرورة وضع ضوابط للحد من تهريب السلع، لا سيما النفط.

ومنذ نحو 7 أسابيع يتواصل غلق معبر رأس جدير الحدودي من الجانب الليبي أمام حركة التجارة، إلى جانب التوترات عند معبر الذهيبة وازن، التي تتسبب بين الحين والآخر في غلقه أيضاً.

ومعبر الذهيبة وازن، هو الوحيد الذي يعمل حاليا بين تونس وليبيا، بعد تعطل الحركة في معبر رأس جدير، لكن حركة التجارة عبره لا تمثل سوى نحو 10% فقط من المبادلات بين البلدين.

ويأتي إغلاق معبر رأس جدير من الجانب الليبي كرد فعل على اعتصام عدد من تجار مدينة بن قردان الحدودية من الجانب التونسي، الذين منعوا دخول سيارات ليبية من العبور، احتجاجاً على التضييقات التي تمارسها السلطات الليبية على التجار.


وقال فتحي العبعاب، رئيس المجلس البلدي في مدينة بن قردان وعضو الوفد المفاوض مع الجانب الليبي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن استمرار غلق المعبر تسبب في شل الحركة التجارية، مشيرا إلى أن هناك قلقاً من أن تتجاوز التداعيات محافظات الجنوب لتؤثر على محافظات أخرى وقطاعات تجارية في تونس.

وأضاف العبعاب أن المفاوضين من الجانب التونسي يسعون إلى إقناع التجار بتعليق اعتصامهم لتسهيل التفاوض مع السلطات الليبية وفض الإشكاليات، التي تسببت في شل الحركة الاقتصادية بين البلدين، مشيرا إلى أن العديد من النقاط الخلافية تم حلّها في اللقاء الأخير الذي جمع أعضاء من المجلس البلدي في بن قردان بمسؤولين في مدينة زوارة الليبية (شمال) قبل نحو أسبوع.

وأشار إلى أن الوفد التونسي طلب تمكين التجار التونسيين من جلب السلع في إطار القانون وبكميات معينة، مؤكداً أن حظر السلطات الليبية لقائمة منتجات يعتمدها التجار التونسيين في تعاملاتهم التجارية أثار حفيظتهم، لافتا إلى أن التجارة البينية المتكونة أساسا من المواد الإلكترونية والمحروقات تشكل الجزء الأكبر من السلع المتدفقة من ليبيا.

وتابع رئيس المجلس البلدي في مدينة بن قردان: "من حقّ الليبيين حماية اقتصادهم، كما نسعى إلى إيجاد توافقات ترضي الطرفين وتسمح للتجار التونسيين بمواصلة نشاطهم دون تضييقات". وقال: "جولة المفاوضات التي أجريت قبل أسبوع تعثرت، لكن نتوقع الوصول إلى اتفاق قريب يسمح بإعادة فتح معبر رأس جدير أمام الحركة التجارية وحركة الأشخاص مع تشكيل لجنة مشتركة دائمة لفضّ الإشكاليات من الجانبين".

في هذه الأثناء يواصل تجار من مدينة بن قردان، قرب معبر رأس جدير على الجانب التونسي، اعتصامهم للمطالبة بإيجاد حل دائم لأزمة المعبر وتنمية المنطقة وتحسين البنية التحتية.

ويشكو التجار من سوء معاملة الجمارك الليبية والمسلحين داخل الأراضي الليبية، إلى جانب رفض الجانب الليبي إلغاء إتاوة تقدر بنحو 30 ديناراً ليبياً (21.7 دولار) على السيارات التي تعبر في اتجاه ليبيا، على الرغم من إلغاء هذه الإتاوة من الجانب التونسي.

ويعتمد أهالي بن قردان في أنشطتهم الاقتصادية بشكل أساسي على التجارة الحدودية، وعلى جلب السلع والوقود من ليبيا، إذ تمثل بن قردان بوابة التزويد الأولى بالسلع القادمة من ليبيا نحو مختلف المحافظات التونسية.

وقال الناشط الحقوقي مصطفى عبد الكبير، إن إغلاق المعبر أثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحدودية التونسية مع ليبيا، فضلا عن تداعيات ذلك على مستوى اقتصاد البلدين.

وأشار إلى أن تواصل غلق المعبر أحال آلاف التجار إلى البطالة القسرية، بينما لا توجد حلول تنموية لاستيعاب هؤلاء الأشخاص، مشددا على ضرورة إيجاد حلول دائمة والإسراع في إحداث المنطقة التجارية الحرة بين البلدين، لاستيعاب التجارة الموازية وضمان الانسياب الدائم للأشخاص والسلع.

ومنذ سنة 2016 ينتظر الأهالي تقدم الأعمال في المنطقة التجارية الحرة التي تتطلع الحكومة إلى إحداثها بتكلفة تصل إلى 44 مليون دولار.


وتعوّل الحكومة على المنطقة الحرة لتوفير 2500 فرصة عمل مباشرة و6 آلاف فرصة عمل غير مباشرة، بالإضافة إلى خلق قطب اقتصادي تنموي في بن قردان لتقليص تبعية الشباب للتجارة الموازية (السوداء)، ومحاربة التهريب والإرهاب.

ويأتي اختيار مدينة بن قردان، لإنشاء مشروع المنطقة التجارية الحرة، لخصوصية المنطقة، التي يعيش قرابة 80% من سكانها على التجارة الموازية، وفق دراسات محلية، بالإضافة إلى افتقارها إلى مشاريع صناعية أو تنموية قادرة على خلق فرص عمل للشباب المعطل.

وبحسب أهداف رسمتها الغرف التجارية المشتركة بين تونس وليبيا يتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري خلال العام الحالي إلى نحو 643 مليون دولار مقارنة بنحو 357 مليون دولار عام 2017، غير أن تواصل إغلاق المعبر يحول دون الوصول إلى هذه الأرقام بحسب الخبير الاقتصادي التونسي بلحسن الزمني.

وقال الزمني إن نحو 80% من الصادرات التونسية إلى ليبيا تتم براً، لافتاً إلى أن الاقتصاد التونسي يسجل خسائر يومية بسبب تواصل غلق المعبر تطاول، قطاعات السياحة والاستشفاء والصناعات الغذائية بالأساس.

وأكد أبو بكر زخامة، رئيس غرفة المصحات الخاصة في تونس، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن استمرار غلق معبر رأس جدير قلّص بشكل لافت تدفق المرضى الليبيين نحو مصحات الجنوب التونسي ومصحات الوسط والعاصمة، ما قد يسبب لها صعوبات مالية تدفع نحو تقليص عدد العاملين فيها في حال تواصل الوضع على ما هو عليه.

وفي مقابل الإفصاح التونسي عن وجود أضرار من إغلاق المعبر، يتمسك الجانب الليبي بضرورة وضع ضوابط لمرور التجارة بين البلدين، مؤكدا تضرر اقتصاده من تهريب السلع، لا سيما الوقود.

وقال مدير معبر رأس الجدير في الجانب الليبي العميد عبد السلام العمراني، في اتصال هاتفي، إن قرار غلق المعبر اتخذ حفاظا على سلامة المسافرين الليبيين بعد تعرض سياراتهم إلى الاعتداءات من قبل محتجين من الجانب التونسي، مشيرا إلى أن الأوضاع على المعبر تتطلب حلولاً على مستوى السلطات في البلدين.

وقال حافظ معمر، الناطق باسم معبر رأس جدير في الجانب الليبي في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن هناك شروطاً ليبية تتعلق بمنع التهريب وتحديد سلع معينة للخروج من ليبيا.

وأضاف: "الإغلاق جاء نتيجة مضايقات للمسافرين الليبيين في منطقة بن قردان التونسية، ومنعهم من المرور بعد الشروط الليبية لمنع تهريب السلع، لا سيما المشتقات النفطية".

وتعتبر ليبيا من أهم شركاء تونس اقتصادياً، وكانت أول شريك على الصعيد المغاربي والعربي، والخامسة على المستوى الدولي (بعد فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا).

ويندرج التبادل التجاري بين تونس وليبيا في إطار اتفاقية منطقة التبادل الحر الموقعة بينهما عام 2001، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2002، وتمنح العديد من الامتيازات.

المساهمون