غضب المصريين يتخطى المقاطعة...تظاهرات وتعطيل المترو بعد رفع الأسعار

غضب المصريين يتخطى المقاطعة...تظاهرات وتعطيل المترو بعد رفع الأسعار

12 مايو 2018
الصورة
أسعار المترو بمصر الأغلى في العالم مقارنة بالدخل(العربي الجديد)
+ الخط -

"هذا الشعب لم يجد من يرفق به أو يحنو عليه" ... "الأول لازم أغني الناس قبل ما أرفع الدعم"، هكذا تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عن البسطاء ومحدودي الدخل في بدايات حكمه بعد الانقلاب، قبل أن تعمل حكومته على استهداف هذه الشرائح تحديداً، من خلال قرارات رفع الأسعار المتوالية، وآخرها زيادة ثمن تذكرة مترو الأنفاق يوم الجمعة بنسبة 250%.

وتظاهر المئات من المصريين في عدد من محطات المترو، اليوم السبت، اعتراضاً على الزيادة الكبيرة في أسعار التذاكر، مرددين في محطة مترو "حلوان"، جنوب القاهرة، هتافات منها "حسبي الله ونعم الوكيل" و"مش هانمشي"، في الوقت الذي حاول فيه بعضهم تعطيل سير المترو بمحطة "المرج"، وتجاوز كثيرون ماكينات الصرف الممكننة، من دون الحصول على تذاكر.

وشهدت محطات المترو انتشاراً أمنياً مكثفاً، تحسباً لمواجهة أي احتجاجات أو دعوات للإضراب، المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بخاصة مع بداية أسبوع العمل في البلاد، اليوم الأحد، بعدما قررت الحكومة زيادة أسعار التذاكر من جنيهين للتذكرة الموحدة، إلى 3 جنيهات لعدد 9 محطات، و5 جنيهات لعدد 16 محطة، و7 جنيهات لأكثر من 16 محطة.

وارتفعت أسعار تذاكر مترو الأنفاق بنسبة 700% خلال أقل من 14 شهراً بعهد السيسي، بعد أن تضاعفت في مارس/ آذار 2017 من جنيه واحد إلى جنيهين للتذكرة الموحدة، بينما ظهر السخط واضحاً على وجوه مستخدمي المترو عند شروعهم في شراء التذاكر بأسعارها الجديدة، وسط مشادات كلامية مستمرة مع العاملين بالمترو.

حالة الغضب لدى المصريين لم يكن سببها مضاعفة الأسعار وحسب، بل وأن الخدمة تزداد سوءاً مع الوقت بخطوط المترو الثلاثة، سواء من ناحية عدم انتظام مدة التقاطر، أو انتشار الباعة الجائلين، وانعدام النظافة، فضلاً عن قلة عدد القطارات المكيفة، وهو ما يعرض المواطنين لخطر الاختناق نتيجة التكدس الشديد داخل العربات، وارتفاع درجات الحرارة في أشهر الصيف.

من جهتها، دانت جمعية "مواطنون ضد الغلاء" رفع أسعار المترو في ظل ظروف اقتصادية "بالغة القسوة" تعاني منها الطبقات الفقيرة، التي تعد وسيلة المترو الأسهل، والأرخص، والأسرع، في تنقلاتهم الكادحة يومياً، سعياً وراء لقمة العيش، ما قد يضطرهم إلى اللجوء إلى ترجل وسائل نقل أخرى أقل ثمناً، ويزيد من حالة التكدس المروري في شوارع القاهرة.

وأفادت الجمعية في بيان أمس الجمعة، بأن الضغوط الاقتصادية المستمرة "تحدث حالة احتقان مكبوت تتراكم في الوعي العام، وتعجل بانهيار السلام الاجتماعي"، مؤكدة أن إقرار الزيادة بالتزامن مع حلول شهر رمضان "يشكل تضييقاً على ميزانية الأسرة المصرية، ويفتقد إلى الملاءمة السياسية، ويظهر مدى القسوة، والحلول الخشنة للسلطة الحاكمة، وانفصالها التام عن الشعب".

كان رئيس النقابة المستقلة للعاملين بمترو الأنفاق، رفعت عرفات، قد فند المزاعم الحكومية حول مبررات الزيادة، مؤكداً أن المرفق يحقق أرباحاً كبيرة، خلاف الأرقام المعلنة عن الخسائر المزعومة، بحساب أن عدد الركاب اليومي لا يقل عن ثلاثة ملايين راكب، وفقاً للأرقام الرسمية، وهو ما يدر دخلاً سنوياً لا يقل عن 1.34 مليار جنيه (76 مليون دولار) قبل قرار الزيادة.

وبحسب تصريحات وزير النقل، هشام عرفات، إن المترو يحقق إيرادات سنوية تبلغ 716 مليون جنيه فقط، متضمنة قيمة التذاكر، والإعلانات، وتأجير محلات، في حين تبلغ المصروفات السنوية 916 مليون جنيه (تكلفة التشغيل والصيانة)، بعجز يصل إلى 200 مليون جنيه، مضافة إليه الديون المتراكمة على المرفق لدى بعض الوزارات والشركات، بخسائر إجمالية 700 مليون جنيه.

إلى ذلك، يناقش مجلس النواب (البرلمان) عدداً من طلبات الإحاطة المقدمة من النواب، بشأن استدعاء رئيس الحكومة، شريف إسماعيل، ووزير النقل، لعدم إخطار المجلس بقرار الزيادة قبل إعلانه، في تهميش ليس بجديد لدوره، وسط اتهامات للحكومة بـ"مد يدها إلى جيب المواطن، بدلاً من مواجهة الفشل الإداري، أو وضع خطة لتعظيم الدخل غير المباشر، وترشيد الإنفاق داخل منظومة المترو".

وقال البرلماني عن حزب التجمع، عبد الحميد كمال، إن زيادة المترو سيتبعها ارتفاع في أسعار السلع الغذائية بالتزامن مع حلول شهر رمضان، مستنكراً اتخاذ القرار بطريقة "مباغتة" في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، مستهدفاً الفقراء، والأسر البسيطة، والطلاب، والعمال، وصغار الموظفين، وأصحاب المهن الحرة، باعتبارهم الشريحة الأكبر لمستخدمي المترو.

كما اعتبر النائب الموالي للنظام، مصطفى بكري، أن الزيادة تشكل عبئاً كبيراً على المواطنين، ولم تراع البعد الاجتماعي، وأحوال الفقراء، الذين تزداد معاناتهم مع تفعيل الزيادة، وأضناهم غلاء الأسعار، وارتفاع متطلبات الحياة المعيشية، من دون زيادة تذكر في المرتبات للموظفين والعاملين في القطاع الحكومي أو الخاص على حد سواء.

فيما حذرت عضو تكتل (25-30)، النائب نادية هنري، من أن "الضغط الشديد من قبل النظام سيولد الانفجار، كون المترو هو وسيلة المواصلات العامة للفئات الفقيرة، ومتوسطة الدخل"، مشددة على أن "الوضع بات لا يحتمل في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وتضاعف الأسعار بنسبة 300%، مع ثبات الرواتب منذ 2014"، في إشارة إلى عام تولي السيسي الحكم.

في موازة ذلك، تداول نشطاء مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي "إنفوغراف"، يكشف أن أسعار تذاكر المترو في مصر هي الأغلى عالمياً، إذا ما قورنت بمعدل الدخل الشهري، رداً على التصريحات الحكومية بأن تذكرة مترو الأنفاق ما زالت الأرخص بين دول العالم رغم الزيادة الأخيرة.

ووفق وزير النقل في تصريحات متلفزة، إن "سعر تذكرة مترو الأنفاق في مصر أرخص من أي مكان في العالم حتى بعد الزيادة"، مستشهداً بأن سعر التذكرة في الدنمارك يبلغ 4.6 دولارات، وفي المكسيك يصل إلى 2.25 دولار، وفي الهند يعادل 8 جنيهات مصرية، وفي فنزويلا يعادل 26 جنيهاً مصرياً.

لكن الإنفوغراف الذي تداوله النشطاء، يظهر أن سعر التذكرة يعادل 16% من الدخل الشهري للمصريين، في مقابل 5% في ألمانيا، و3.8% في الولايات المتحدة، و2% في الإمارات، علماً بأنه ربط متوسط الدخل الشهري في مصر بقيمة 288 دولاراً (ما يعادل خمسة آلاف جنيه)، وهو رقم يعادل أقل من نصف المتوسط الفعلي لدخل المصريين.

ويبلغ متوسط دخل المواطن المصري سنوياً، وفقاً للبنك الدولي، نحو 19765 جنيهاً في العام 2016، وبما يعادل 2196 دولاراً تقريباً سنوياً بسعر الدولار قبل تحرير سعر الصرف (الدولار= 9 جنيهات)، وما يعادل 1110 دولارات تقريباً بعد تعويم الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 (الدولار= 17.8 جنيهاً).

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، إن مترو الأنفاق يستخدمه حوالي 42% من إجمالي عدد المواطنين المستخدمين وسائل النقل العام على مستوى الجمهورية، نظراً لضعف أو انعدام منظومة النقل العام خارج القاهرة، واقتصار شبكات الحافلات الحكومية بمختلف أحجامها على القاهرة الكبرى، وبعض عواصم محافظات الدلتا.

وقالت سعاد الديب، رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلكين، إن القوة الشرائية للمواطن تتراجع بشدة بسبب زيادات الأسعار المتوالية للسلع والخدمات، وهو ما يفتح المجال للمطالبة بتحريك الحد الأدنى للأجور، ووضع حد أدنى للمعاشات، لمواجهة قرارات زيادة الأسعار.

وقال وائل النحاس، الخبير الاقتصادي :" الحكومة تعيش فى واد آخر غير الذي يعيش فيه المواطنون الكادحون، فالزيادة الأخيرة في أسعار تذاكر المترو كبيرة للغاية، فالزيادة السابقة عليها كانت بنسبة 100%، لكن الأخيرة جاءت بنسبة 250% مرة واحدة وسط توقعات بقرارات أكثر تزيد الأمر سوءًا وترفع تكلفة معيشة المصريين بينما تنخفض دخولهم".

وتوقع النحاس فرض زيادات مماثلة في أسعار وسائل النقل العام والسكك الحديدية الأخرى، بالإضافة إلى الوقود الذي سينعكس على أسعار السلع والخدمات ووسائل النقل الخاص من سيارات أخرى والحافلات الخاصة، مؤكدا أن تلك القرارات ستؤدي إلى تدمير ما تبقى من الطبقة المتوسطة في مصر.

وبلغت نسبة المصريين الذين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر العالمي بعد قرار تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 حوالي 32%، يعيش نصفهم تقريباً في العاصمة وضواحيها بحسب تقديرات إعلامية قياساً بعدد السكان في القرى الأكثر فقراً، ويحصلون على أقل من 36 جنيهاً يومياً.

ويترقب المصريون، قرار الحكومة بفرض زيادة جديدة في أسعار الوقود خلال الأسابيع المقبلة لطالما روج لها المسؤولون خلال الأيام الأخيرة، بدعوى ارتفاع أسعار النفط عالميا عن المستويات التي حددتها الحكومة في موازنتي العامين الحالي والمقبل.

وقدرت الحكومة سعر برميل النفط في موازنة العام المالي المقبل 2018/2019 الذي يحل في الأول من يوليو/ تموز، بنحو 67 دولاراً، فيما تخطت الأسعار حاجز 75 دولاراً عالمياً.

واتفقت الحكومة مع صندوق النقد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 على برنامج اقتصادي، يتضمن إلغاء دعم الوقود بشكل تدريجي، وتحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وذلك مقابل قرض بقيمة 12 مليار دولار يصرف على ثلاث سنوات.

وتعد الزيادة المرتقبة في سعر الوقود، الرابعة منذ وصول السيسي إلى الحكم، إذ كانت الأولى في يوليو/ تموز 2014، بنسب اقتربت من الضعف، والثانية في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، بنسب تراوحت ما بين 30% إلى 47%، ثم جاءت الزيادة الأخيرة في الثلاثين من يونيو/ حزيران الماضي بنسب تصل إلى 55%.

وتظهر بنود مشروع الموازنة المقبلة، أنه سيتم خفض إجمالي مخصصات دعم الوقود والكهرباء بنسبة 23.6% تعادل 33.1 مليار جنيه، حيث سيتراجع دعم المواد النفطية إلى نحو 89 مليار جنيه (5 مليارات دولار)، مقارنة بـ 110.1 مليارات جنيه في العام المالي الحالي.

كما سينخفض دعم الكهرباء إلى 16 مليار جنيه، من 30 مليار جنيه في الموازنة الحالية 2018/ 2017، ما يعني زيادة أسعار الوقود بنسبة كبيرة خلال الشهور القليلة المقبلة.

المساهمون