غامبيا تنتفض ضد جامع... وخوف دولي من عمليات قمع

غامبيا تنتفض ضد جامع... وخوف دولي من عمليات قمع

23 ابريل 2016
الصورة
خرجت تظاهرات إلى الشوارع تندد بمقتل ثلاثة معارضين(فرانس برس)
+ الخط -
أعاد حادث اغتيال ثلاثة معارضين أخيراً، غامبيا إلى الواجهة بعد أن دان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية عمليات القمع العنيفة التي تمارسها السلطات الغامبية في حق مواطنيها. وكان سولو سانديج، أحد زعماء الحزب الديمقراطي الموحّد المعارض، اعتُقل في 14 أبريل/نيسان الماضي برفقة سيدتين معارضتين خلال تظاهرة دعت إليها المعارضة في إحدى ضواحي العاصمة بانجول للمطالبة بتعديل قانون الانتخابات الرئاسية. وبعد ثلاثة أيام أعلنت السلطات وفاة المعارضين الثلاثة من دون تقديم أية إيضاحات، في حين أكدت منظمات حقوقية أفريقية أن المعارضين توفوا تحت التعذيب في مخافر النظام. وبسبب الانتهاكات لحقوق الإنسان من قِبل السلطات بزعامة الرئيس الغامبي يحيى جامع، الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية منذ العام 1994 بعد انقلاب عسكري دموي، تعيش غامبيا عزلة إقليمية ودولية خانقة.
وقامت السلطات بقمع تظاهرة تندد بمقتل المعارضين الثلاثة السبت الماضي وتم اعتقال عشرات الناشطين المعارضين، ما دفع ببان كي مون للمطالبة مرة أخرى بإطلاق سراح المعارضين المعتقلين والقيام بتحقيق نزيه لكشف أسباب وفاة المعارضين الثلاثة. غير أن هذا الضغط الدولي لا يبدو أنه يخيف نظام جامع، وهذا ما عكسه تصريح لوزير الداخلية الغامبي عثمان سونكو، أكد فيه "عدم وجود أية أدلة حول وفاة المعارضين تحت الاعتقال"، وحذر من أن "السلطات لن تسمح بأي تهديد يمسّ أمن وسلامة البلاد".
وبعد عودة الرئيس الغامبي من زيارة إلى تركيا الأحد الماضي، تزايدت المخاوف من تشديد الحملة القمعية ضد التظاهرات، خصوصاً أن الرجل معروف بميله للغة السلاح في وجه أي تهديد لحكمه. وسجلت جمعيات حقوقية في السنغال المجاورة انتشاراً مكثفاً لوحدات الجيش والقوات الخاصة في العاصمة بانجول وضواحيها وفي مدينة سيريكوندا، حيث تقوم قوات الأمن بدوريات منتظمة لمنع التجمعات والتظاهرات. كما تم تسجيل انتشار كثيف للجيش على الحدود مع السنغال التي تعرف توتراً كبيراً بعد قيام السلطات الغامبية السبت الماضي باعتقال ثلاثة موظفين من وزارة البيئة السنغالية كانوا يحققون في عمليات تهريب للخشب على الحدود بين البلدين.
ووفق بيان لثلاث منظمات حقوقية دولية، وهي منظمة العفو الدولية ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" و"أرتيكل 19" نُشر الأسبوع الماضي، فإنه "منذ وصول الرئيس جامع إلى السلطة عام 1994، تحوّل القمع الوحشي لكل أشكال المعارضة واقعاً يومياً. وتقوم قوات الأمن والمليشيات المسلحة التابعة للنظام باعتقال المعارضين بشكل تعسفي وتخطف بعضهم وتقتل الآخرين من دون التعرّض لأي مساءلة".


وكان نظام جامع قد تعرّض لمحاولة انقلاب فاشلة عام 2006 ما جعله ينتهج منذ ذلك التاريخ سياسة قمعية لخنق أصوات المعارضين بالقوة. كما أنه عدّل القوانين الدستورية واستحوذ على كل صلاحيات الحكم وأطلق يد الأجهزة الأمنية لتقمع كل أشكال التهديد لحكمه حتى أكثرها سلمية. ما جعل العديد من الناشطين والحقوقيين والإعلاميين يسارعون إلى مغادرة البلاد خوفاً على حياتهم. كما أن الكثير من السكان يلجؤون إلى الهجرة، ووصل العام الماضي حوالي 8500 غامبي إلى السواحل الإيطالية بعد رحلة طويلة قادتهم إلى ليبيا.
وحسب كل المؤشرات، فإن الرئيس الغامبي عازم على انتزاع ولاية رئاسية خامسة بعد 21 عاماً على رأس السلطة. وفي 26 فبراير/شباط الماضي، قام الحزب الحاكم، "التحالف من أجل إعادة التوجيه والبناء الوطني" بتعبيد الطريق له ورشّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة في مستهل ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وكان جامع قد فاجأ الجميع وأعلن في 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي أن "قدر غامبيا في يد الله العظيم. وابتداء من اليوم أعلن أن غامبيا دولة إسلامية". وبرر جامع هذا القرار بكونه "يعكس إرادة الشعب الغامبي للتحرر من الايديولوجيا الاستعمارية"، وأعطى الأوامر لفرض ارتداء الحجاب على الموظفات العاملات في مؤسسات الدولة. علماً أن غامبيا تقطنها غالبية إسلامية تشكّل 90 في المائة من عدد السكان وأقلية مسيحية صغيرة. وحسب بعض المراقبين للشأن الأفريقي، فإن جامع بإعلانه البلاد دولة إسلامية، يحاول التقرّب من تركيا التي زارها أخيراً وأيضاً من بعض الدول الخليجية، ويطمع في أن يحصل على إعانات مالية منها.
وتثير شخصية جامع الاستغراب والاستهجان أحياناً بسبب تصريحاته المفاجئة وميله إلى إحاطة شخصه بهالة من التقديس. وقال أخيراً في حوار مع التلفزيون الحكومي إن "الله وحده يستطيع تحديد كم من الوقت سأبقى على رأس البلاد"، وهذا ما جعل الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابيري ينشر أخيراً مقالاً ساخراً في صحيفة "لوموند" الفرنسية ختمه قائلاً: "الدكتاتوريون يُصابون دوماً بالجنون قبل أن يسقطوا".
وتُعتبر غامبيا أصغر بلد أفريقي وتشترك مع السنغال في كامل حدودها ما عدا الحد الغربي من ساحل المحيط الأطلسي بطول 80 كيلومتراً. وكانت غامبيا مستعمرة بريطانية حتى العام 1965 تاريخ استقلالها عن المملكة المتحدة. وعاشت البلاد في ظل نظام جمهوري يطبّق التعددية السياسية إلى العام 1994، تاريخ الانقلاب الذي جاء بيحيى جامع إلى السلطة. وتُعدّ غامبيا من أفقر بلدان القارة الأفريقية، واقتصادها يعتمد على الصيد البحري وبعض الزراعات الموسمية البسيطة. ويعيش نظام جامع على مداخيل السياحة والإعانات الدولية. وقام جامع أخيراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع تايوان التي كانت تغدق عليه الإعانات، ومالَ نحو الصين التي باتت فاعلاً اقتصادياً مهماً في القارة الأفريقية، طمعاً في أن تكافئه أكثر مما كانت تفعل تايوان.

المساهمون