عن رفع العقوبات الأميركية عن السودان

عن رفع العقوبات الأميركية عن السودان

20 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
نجحت الحكومة السودانية في تحويل أنظار شعبها عن مسبّبات الأزمة الاقتصادية الأساسية، باحتفائها المبالَغ فيه بالرفع الجزئي للعقوبات الأميركية عن السودان. وعلى الرغم من الإيجابيات التي يمكن أن يحقّقها هذا القرار، إلّا أنّه لا يجب التسليم بأنّه العصا السحرية لحل مشكلات السودان التي لم تسببها العقوبات، وإنّما ساهمت في تعميقها.
شارك في هذا الاحتفاء الشعب، كمن يبحث عن قشّةٍ يتعلق بها، فما السبب الحقيقي وراء رفع أميركا العقوبات عن السودان، وهل هي حقيقة ما أشار إليها بيان الرئيس، باراك أوباما، بأنّها "تطوراتٌ إيجابية" حدثت خلال الستة أشهر الأخيرة؟ وهي المساهمة في محاربة الإرهاب بالقبض على إرهابيين داخل الأراضي السودانية، والحد من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بالقبض أيضاً على متهمين دوليين، عملوا مع شبكاتٍ للاتجار بالبشر. ثم هناك هدوء الصراع في دارفور وجبال النوبة، بحيث أصبح لا يتعدّى حدوده الطبيعية.
اعترفت الإدارة الأميركية بذلك، بينما بقي اسم السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، حسب التصنيف الأميركي، كما تم رهن القرار ستة أشهر للشروط التي سُميت بالمسارات الخمسة: مكافحة الإرهاب، عدم دعم المعارضة في جنوب السودان، السماح بتوصيل المساعدات الإنسانية، وقف الحرب، وحقوق الإنسان.
حتى بداية هذا العام، والعالم يشهد أنّ الحكومة السودانية كانت غارقةً في العدائية مع أميركا، ولم تنجز أي إصلاحات اقتصادية أو سياسية تُذكر، كما شهد ثبات نظام الخرطوم على موقفه، وتجاهله كل النداءات، سواء من داخل الحزب الحاكم أو من الشعب، مطالبة بضرورة الإصلاحات، فما زال العامل الذي بسببه أعلنت الولايات المتحدة فرضها العقوبات عام 1997، ثم تجديدها، قائماً، وهو النتيجة الحتمية لفشل السودان في عملية الإصلاح السياسي.
في رسالة بعث بها الرئيس أوباما، في بداية نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012، أوان تجديد
العقوبات على السودان، إلى رئيسي مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، قال فيها إنّ الظروف التي أدت إلى فرض العقوبات على حكومة السودان، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 1997، ما تزال قائمة، وإنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السودانية ما زالت تمثل سياسةً معاديةً لمصالح الولايات المتحدة، وتشكل تهديداً غير عادي واستثنائياً للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولكن الحكومة السودانية ترجمت الإعلان مما في خزانتها من مفرداتٍ جاهزةٍ لمثل هذه الظروف، مثل الإكراه السياسي والاقتصادي والضغوط من أجل تقديم تنازلاتٍ بشأن مواقف الخرطوم السياسية، خصوصاً التي تتصل بمشاريع الهيمنة الأميركية في المنطقة. واستنكر البيان تجديد العقوبات، على الرغم من إيفاء السودان بما التزم به، وهو هنا يعني تنفيذ بعض بنود اتفاقية نيفاشا عام 2005، والتي أدّت إلى انفصال الجنوب في يناير/كانون الثاني 2011؛ مقابل نكوص الإدارة الأميركية عن وعودها برفع العقوبات، وذكر أنّه يصبّ في مصلحة الحركات المسلحة.
ما زالت مطلوبات الإدارة الأميركية من السودان كما هي، ومنذ بداية العقوبات منذ تسعينيات القرن الماضي، فهي تدور في ثلاثة محاور، هي قضية المنظمات الإنسانية التي تم طردها، وإمكانية استبدالها بأخرى من أنحاء العالم المختلفة، تطبيق اتفاقية السلام الشامل بأكملها، لأنّ الاتفاقية كانت حجر أساس لحل مشكلات أخرى، مثل إقليم دارفور، وما زالت النزاعات تتجدّد في الإقليم، ثم إيجاد سلام شامل فيه، يبدأ بالحوار مع الفصائل الدارفورية غير الموقّعة على اتفاقية أبوجا.
تتواضع الأسباب التي ذكرها البيان الأميركي لرفع العقوبات عن السودان، والتي لا تبدو كأشياء ملموسة يمكن الإمساك بها، أمام حقيقةٍ واحدةٍ عملية، هي تطبيع النظام السوداني العلاقات مع إسرائيل. كما أنّ هناك عوامل أخرى أمسكت الإدارة الأميركية عن الإفصاح عنها، ولكنها شكّلت الجو العام، ونسجت خيوط القرار:
أولاً: تأكّدت الولايات المتحدة من عدم فعالية العقوبات على السودان، ففي يناير/ كانون الثاني 2016، كانت الولايات المتحدة من ضمن أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذين عقدوا مراجعةً لأنظمة العقوبات، فوجدوا أنّ 16 دولة فُرضت عليها عقوبات، وكانت حتى العقد الأول من القرن العشرين اثني عشر نظاماً، وفي كل هذه الأنظمة لم تثبت العقوبات أنّها أداة بالغة الفعالية في تعزيز السلام والأمن الدوليين، بل كان نجاحها محدوداً.
ثانياً: خوف الولايات المتحدة من اعتماد السودان الكامل على الصين، فقد دخلت الصين في الاستثمار النفطي في السودان في تسعينيات القرن الماضي، عقب خروج شركة شيفرون الأميركية، وتمدّدت في السودان، وعندما ذهب 75% من الإنتاج النفطي إلى جنوب السودان بعد انفصاله، يعكف السودان والصين حالياً على طَرق مجالات حيوية أخرى، مثل الاستثمار الزراعي والاستثمار في قطاع التعدين، فلم تعد العقوبات تخدم المصالح الأميركية، وتمدّد الصين ماضٍ في سبيله على حساب أميركا ومصالحها الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي.
ثالثاً: خوف الولايات المتحدة من تقويض مكانة الدولار الأميركي، كعملة احتياطية رئيسية في 
صندوق النقد الدولي. وهذه المكانة يمكن أن يزعزعها اليوان الصيني، بعد دخوله سلة العملات في صندوق النقد الدولي، وتوجه السودان، وجزء من دول المنطقة، إلى إدخاله في نظامهم المصرفي. وتساعد الولايات المتحدة على ذلك في كل مرة تعيد فيها فرض العقوبات وتمديدها.
رابعاً: أفضت العقوبات إلى نتائج عكسية هدّامة في السودان، لاستشراء الفساد على مستوى كل مؤسسات الدولة، فقد عمل النظام السوداني على إثراء نفسه ومعاونيه، حتى الأسر الممتدة، بتحكّمه في السوق السوداء والسلع المحظورة. ونتيجة لذلك، عانى المواطنون في سبيل كسب العيش. وإن كانت أميركا والمجتمع الدولي غالباً ما يتغاضون عن مثل هذه العواقب، فإنّ تأثير تحكم النظام في السلع المحظورة، مثل النفط والسلاح والذهب وغيرها، بعقد صفقاتٍ مع الصين وروسيا، ستكون لها تأثيرات اقتصادية عالمية.
ما لم يتم الإصلاح عن طريق الموازنة بين الحاجة إلى الإصلاح السياسي والمصالح الاستراتيجية للسودان، فإنّ مأزق العقوبات هذه، متى فُرضت ثم رُفعت، تثبِت، يوماً بعد يوم، أنّ الحكومة تخسر الدعم الشعبي الداخلي، قبل أن تخسر علاقتها مع أميركا.