موريتانيا.. استنساخ حكم العسكر

موريتانيا.. استنساخ حكم العسكر

22 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
لا شيء أدعى إلى التأمل في الحالة السياسية الموريتانية، مثل ديمقراطية الدول الأفريقية سليلة النُظم العسكرية، وحال أحزابها، وهي تشدّ الرحال بين معارضة النظام ومداهنته، كمن يسعى إلى أن يجني من الشوك العنب.
وسط هذا التشويش على الديمقراطية في أفريقيا، بدأت موريتانيا الاستعداد لانتخابات رئاسية، لن يشارك فيها الرئيس الحالي، محمد ولد عبد العزيز، في نهاية فترته الرئاسية الثانية، حيث فشل النظام الحاكم في فرض المطالبة بتعديلاتٍ دستوريةٍ تتيح له فترة رئاسية ثالثة. جاءت التهيئة لذلك منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، بإجراء الانتخابات البرلمانية والبلدية والجهوية. ومن نحو مائة حزب سياسي متنافس، كان أبرزها الاتحاد من أجل الجمهورية (الحاكم) والتجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، الإسلامي، وحركة "إيرا" الحقوقية، بالإضافة إلى ائتلاف يضم أكثر من عشرة أحزاب معارضة، باسم "تحالف المنتدى الوطني للديمقراطية".
وفي خطوةٍ تعويضيةٍ سريعة عن فقدان ولد عبد العزيز الفترة الثالثة، أعلن الحزب الحاكم عن اسم مرشحه للانتخابات الرئاسية التي ستُعقد في يونيو/حزيران المقبل، باختيار محمد ولد الغزواني، وزير الدفاع وقائد الجيش السابق. أعلن هذا الاختيار المفاجئ الرئيس ولد عبد العزيز، الصديق المقرّب لولد الغزواني وشريكه في الانقلاب على معاوية ولد الطايع عام 2005، ثم إطاحة بأول رئيس مدني منتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله عام 2008. واجهت المعارضة القرار بالرفض، كونه يعزّز من استمرار تداول السلطة بين العسكريين، وألمحت إلى أنّها قد تكون فترة انتقالية، يعود بعدها ولد عبد العزيز إلى السلطة. كما يتضح أنّها بداية ترتيباتٍ من قادة المؤسسة العسكرية والأمنية لخطواتٍ تضمن الاستمرار في السلطة بعد عام 2019، من دون الإخلال بمقتضيات الدستور. وفي الوقت نفسه، تعمل على اختيار مرشّح منافس لمرشح الحزب الحاكم، إلّا أنّها تتخوّف من استغلال المال والنفوذ والثِقل القبلي الذي سيرجّح من كفته. وحتى تتفادى الحكومة مواجهة التجمع الشكلي للأحزاب التي تسبّبت في تكوينها المترهل، أصدرت وزارة الداخلية الموريتانية قراراً بحل 76 حزباً من جملة مائة حزب بين المعارض والموالي والمستقل، يحظى بعضٌ منها بقاعدة شعبية. وهي أيضاً خطوةٌ من أجل صرف الانتباه عن حالة الغضب الشعبي ضد ارتفاع أسعار الخدمات، وانعدام الأمن.
وتتفق الحالة الموريتانية، على نحوٍ ما، مع مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون 
تشرشل: "الديمقراطية أسوأ نظام إذا استثنينا النظم الأخرى". وتتنزل هذه المقولة على موريتانيا، بعد أن ناءت بكلكلها عشر سنوات، في ظل نظام ديمقراطي متحوّل عن عسكري فشل فيها، وأفسد الاقتصاد، وتراجعت في ظل حكمه الظروف المعيشية للمواطن. وما يتم تدشينه إيذاناً بالمشاركة الصورية لبقية القوى السياسية الأخرى، جاء وفق متغيراتٍ تشهدها موريتانيا. أهم هذه التغييرات وأخطرها أنّ البلاد تشهد حالة انكسارٍ، برزت في معادلة تغوّل الدولة على المجتمع. وليس غريبا قيام الانتخابات في نُظم غير ديمقراطية أيضاً، تكون نتيجتها معروفة مُسبقاً، وفقاً لآليات النظام الحاكم التي تؤثّر على أصوات الناخبين بالترهيب والعنف، وشراء الأصوات، والتلاعب في النتائج. كما أنّ هذه الأحزاب تدخل بإرادتها في حالة تعامٍ تام عما يحدث لها، على الأقل في الحاضر السياسي، منذ بدأت ممارسة الانتخابات. أما تكرار العملية فلن يكون سوى لعبٍ على هامش الحريات التي لم تتوفر بشكل كامل، لممارسة العمل السياسي، ولم يسمح لها إلّا بالحدّ الذي يعمل على تحسين صورة النظام، ويُشيع نوعاً من التوازن المحسوب.
يزعم الرئيس ولد عبد العزيز أنّه يقف على مسافة واحدة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة، ولكن الحوار بينهما لا يشهد توافقاً على مستوى الرؤى. أما المسافة التي يحفظها بينه وبين قوى المعارضة، المقرّبة منه، فتغلب عليها صفة الأبوية، وذلك بنزوعه إلى إسداء النصح لها بالتنازل عن الترشّح في الانتخابات لصالح حزبه. وعلى الرغم من تقليص الأحزاب، تظل خشية الحزب الحاكم من المشاركة الفاعلة لعدد منها قائمة. ويبرز صوت بعض الأحزاب متخذةً نبرة مختلفة، وهو الأمر الذي يبثّ القلق في قلب الحكومة، خصوصا بالمواجهة مع أهم قوتين مؤثرتين في المعارضة الموريتانية:
القوة الأولى: الأحزاب الإسلامية، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للإصلاح (تواصل). مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، أغلقت السلطات الموريتانية مؤسساتٍ تابعة للتيار الإسلامي، منها منظمات خيرية تنشط في مجال الدعم الاجتماعي، اتهمتها بعدم الشفافية، وأضافت إليها مؤسساتٍ علمية وأكاديمية، ما يؤكّد الحملة الموجّهة ضد هذه المؤسسات، فسّر مراقبون إغلاقها، بهدف الحدّ من شعبية التيار الإسلامي، وتقويض امتداداته وتأثيره على المجتمع الموريتاني. وقبل ذلك، اتخذت خطوات إقصاء الإسلاميين من الانتخابات البلدية في سبتمبر/أيلول 2018، حيث حذّر الرئيس ولد عبد العزيز الناخبين الموريتانيين من التصويت للوائح الإسلاميين في الانتخابات، وشدّد على تحذيرهم من الأحزاب الإسلامية، وخطورتها على استقرار البلد وعلى ديمقراطيته. وزاد على ذلك أنّ الهدف من الانتخابات هو تخليص البلد من التطرّف والفساد، ومن أحزابٍ تشكّل خطراً على البلد، لأنّها تلبس عباءة الإسلام السياسي. ويزيد من توجّس القيادة الموريتانية أنّه، بعد تحذير الرئيس، جاء حزب التجمّع الوطني للإصلاح والتنمية في الترتيب الثاني بعد الحزب الحاكم، من حيث عدد مرشحيه في مختلف الدوائر الانتخابية، ما يعكس شعبيته وانغراسه عميقاً في تركيبة المجتمع الموريتاني، وقدرته العالية على المنافسة في الانتخابات.
القوة الثانية: فئة "الحراطين"، وهم أبناء قدامى الأرقّاء، والتي يمثّلها التيار الانعتاقي المختصر في حركة "إيرا"، ويتزعمها الناشط بيرام ولد اعبيدي، المرشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة،
 والذي أثار، أخيرا، عدداً من قضايا الرق، واتهم السلطات بالتواطؤ مع الأسياد على حساب العبيد. تجدّدت مسيرة هذه الحركة الناشطة في الاحتجاجات والعصيان المدني بعد الانقلاب العسكري عام 2006، وبدأت مسيرة نضالية، ونشطت في الاحتجاجات وحركات العصيان المدني. خلال العشر سنوات الأخيرة، لم تشهد موريتانيا قضية رأي عام على قدرٍ من الزخم والحساسية كالذي حُظيت به قضية "الحراطين". وعلى الرغم من معاناة أفراد هذه الفئة من الاستعباد قرونا، إلّا أنّ تجريمها بالقانون، بينما يستمر المجتمع في ممارستها، محمياً بأعراف الدولة والكتب الدينية القديمة الموظفة لذلك، جعل هذه الفئة تنظّم نفسها في احتجاجاتٍ بهدف المطالبة بالمساواة والحرية وإقامة دولة عادلة في موريتانيا. وجعل القضية موضوعاً للتجاذبات السياسية بين الحركات الناشطة في مكافحة الرقّ والحكومة التي تضع القوانين العاجزة عن القضاء على الظاهرة.
وفي الانتخابات البلدية والجهوية والبرلمانية التي تمت مطلع سبتمبر/أيلول، ازداد التنافس بين بعض الأحزاب السياسية في استقطاب فئة الحرّاطين بترشيح أفرادٍ منها باللوائح في عدد من الدوائر. وتداخل أعضاء التيار الانعتاقي مع حزب تواصل، حتى كسب ربع مرشحيه من هذه الفئة، وذلك لمقابلة الاصطفاف السياسي على أسس عرقية، وترشيحات تكاد تنحصر في فئة واحدة باللوائح التي قدمتها أحزاب أخرى، بسبب حدة الاستقطاب القبلي.
لمواجهة القوّتين، استجمعت الحكومة الموريتانية قوتها، ونادت بتوحيد أحزاب الائتلاف وفقاً لتبرير الظرف الدقيق الذي تمرّ به الدولة. وبهذا فإنّها تمارس الإقصاء مع حزبي تواصل وميرا، ووصفتهما بالغلو السياسي، متجاوزةً الأفعال إلى مسّ النوايا في إعادة بناء العقد الاجتماعي للدولة التي أُسّست منذ ستة عقود على الغبن. وإن كانت بعض الأحزاب ترفض الاندغام في الحكومة، لرؤيتها أنّ الديمقراطية هي الاهتمام بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية، فإنّ في التركيبة السياسية الحزبية نفسها ممن لم يمكنهم حظهم من الإلمام بمتطلبات أمور الدولة وتسييرها، وأمور السلطة ومداخلاتها. حيث تكمن أولويات هذه الفئة الأخيرة في لقمة العيش والملاذ الآمن والمساواة مع بقية المواطنين في الحقوق الأساسية. لا تتحقق طموحات أولئك ومطالب هؤلاء إلّا بالعدل الاجتماعي، وقيام دولة المواطنة، على الإصلاح والعدل، حتى لو مرّت بهزّاتٍ مجتمعيةٍ عنيفة.