عن جلد الذات المصرية

عن جلد الذات المصرية

28 ابريل 2018
+ الخط -
نتيجة المأساة التي حدثت في القاهرة الجديدة والدائري في اليومين الماضيين، ومعاناة المواطنين وانتشار البوستات والفضائح على صفحات التواصل الاجتماعي، كانت ردة الفعل (وكالمعتاد) سلبية تماما من جانب النظام والحكومة والأجهزة المعنية.
وأيضا (كالمعتاد)، جاءت هياجا متواصلاً، ودفاعاً كاذباً، من عبيد السلطان وصفحات المخابرات، بأنّ ما حدث كارثة طبيعية. وبالتالي لا داعي لجلد الذات، ولا مسؤولية على النظام لأن البنية التحتية مهترئة تماما، وتم إنشاؤها منذ أكثر من 20 سنة، فالنظام بريء، إلى آخر هذه الترهات، ولا تنسوا أن تحمدوا ربنا أننا لسنا سورية والعراق.
ومناقشة للفكر الذي يروّج ذلك، وبعيدا عن الأشخاص، نجيب على سؤال: هل النظام مسؤول عما حدث أم لا؟
أولا: عندما يتوفى مريض نتيجة إهمال طبي في إحدى مستشفيات الصحة، يتعرض وزير الصحة للتحقيق والمساءلة البرلمانية، وقد ينتهي الأمر بتقديم استقالته، وكذلك الحال مثلا مع وزير النقل، نتيجة تكرار حوادث الطرق. وهذا ما تعرف بالمسؤولية الأدبية أو السياسية. وبالمثل، ليس النظام بالتأكيد مسؤولا عن هطول المطر، لكنه مسؤول عن سوء إدارة الأزمة وغياب التخطيط وانعدام رد الفعل.
ثانيا: في الأزمات السابقة التي تعرّضت لها مصر، نزل الجيش، فباع اللحم والفراخ وصنع المعكرونة والجبنة، وهلّل بعضهم: هذا هو جيش مصر العظيم، ينقذ الشعب في أزماته. لكن، وهذه المرة اختفى خير أجناد الأرض! لكنهم، سيعودون إلى الظهور، بعد انتهاء الأزمة لإعادة البناء والترميم، ومن ثم تحويل المشروعات إلى شركات مقاولات من الباطن، مع فرض الأتاوة اللازمة.
ثالثا: صرف النظام مئات المليارات على مشروعات غير ناجحة (أو على الأقل يمكن تأجيلها)، مثل تفريعة القناة والعاصمة الإدارية والصفقات العسكرية لشراء الشرعية.. إلخ. وكان يعلم تماما (أو يفترض أنه يعلم) بمشاكل مصر المزمنة وما تعانيه البنية التحتية، فلماذا لم يتحرك ولم يبدأ بالأولويات إذا كان يهمه فعلا المواطن البسيط؟
رابعا: يتحرك المسؤول، أي مسؤول، من خلال سلطته مسؤولا وضميره إنسانا، وهنا يبرز دور القدوة. فإذا كان المسؤول الصغير يرى المسؤول الكبير ورئيس النظام يبيع الأرض، ويفرط في حقوق المواطن البسيط في مياه النيل وغيرها (حقه في الشكوى والنقد وحرية التعبير)، فهل يكون لديه الدافع لرفع المعاناة عن المواطن البسيط؟
خامسا: "إنتو شعب واحنا شعب"، هذا هو الشعار الذي رفعه النظام منذ 2013. وكما يدرك العقلاء فهو يكرس الفرقة ويدعو إلى الشقاق والانقسام. وهذا ما ظهر جليا في تعليق بعضهم (من غير المتضررين) على الكارثة. وباعتبار أن الموظفين المسؤولين في الأجهزة المعنية والمسؤولة عن الخدمات جزء أصيل من هذا الشعب، فقد تكون عدوى الانقسام والفرقة أصابتهم، والبركة في النظام.
هذه بعض (وليس كل) الأسباب التي تجعل النظام ورئيسه والحكومة ورئيسها مسؤولين مسؤولية مباشرة عما حدث، وعما عانى المواطنون، أخيرا، ومنهم المريض والطالب والعجوز والحامل... الخ.
مرة أخرى، هذا المقال لمناقشة فكر "جلد الذات والنظام بريء"، فما يعنينا هو الفكر لا الفرد، فالفكر يتوارثه بعضهم والفرد، زائل، مهما طال به الزمن.
795B9830-8541-444B-B4A4-35AB0D11D51C
محمد لطفي (مصر)