صرخة في واد

15 مايو 2018
+ الخط -
"حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق". حكمة بليغة، وعبارة من أجمل العبارات التي تتناقلها الأجيال عن الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهي، في جانب منها، تجيب عن سؤال قراء كثيرين: لماذا تكتب؟ نعم يبدو السؤال منطقياً، لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يغير من الواقع شيئا؟ لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يجد صدىً عند المسؤولين؟ لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يحل مشكلة، ولا يغير موقفا ولا يبدل قراراً؟
وكما ذكرت، يبدو السؤال منطقيا لمن ينتظر ويتوقع أن الكاتب يملك عصا سحرية، أو بالأدق مقالا سحريا ينشره، فيتبدل الوضع وتتغير الحال، ولكن هذا، على الرغم من تمني كثيرين له، غير صحيح على الإطلاق، فالكتابة بطيئة المفعول، لكنها عميقة التأثير، يجب ألا تنتظر منها حلا سريعا أو إنجازا فورياً، ولكن تأثيرها يظهر بعد حين، ويكون قويا وشديدا، فالكلمة أقوى سلاحا من الرصاص؛ لذلك دائما ما يخشاها الظالمون المستبدون، كما عبر الأديب الكبير عبد الرحمن الكواكبي "هي كلمة حق وصرخة في واد، إن تذهب اليوم أدراج الرياح، فقد تذهب غدا بالأوتاد". نعم هذه هي الكلمة وقيمتها ومكانتها التي قد يستهين بها بعضهم، ولا يدركون قيمتها، ويعتقدون ضعفها، في حين يخشاها آخرون من الظالمين، ويسعون إلى خنقها بكل الوسائل الممكنة.
في دول كثيرة، هناك ما تعرف بـ"لجان وجمعيات حماية المستهلك"، وغالبا ما تكون تابعة للجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، وهي تهتم بحماية المواطن من الغش التجاري. وتقف إلى جانبه، إذا تعرّض للغش والخداع، سواء في السلعة نفسها، بوجود عيب أو خلل فيها، أو في ثمنها إذا كان مبالغا فيه، ويتجاوز كثيرا مثيلاتها في متجرٍ آخر، ولهذه الجمعيات دور مهم وفاعل يقدّره المستهلك ويحترمه ويستفيد منه. وأيضا هناك مراقب الامتحانات الذي يمنع الغش التعليمي، فيقف بين الطلاب في أثناء امتحاناتهم، مانعا حديثهم مع بعضهم، أو استخدامهم وسائل غير قانونية في الإجابة عن الأسئلة.
فإذا كان هناك حماية من الغش التجاري، ومنع للغش التعليمي، فهل يمكن أن نرى يوما جمعيات تعمل على حماية القارئ من الغش الإعلامي الذي يتزايد يوما بعد يوم؟! (الحديث بالطبع بعيد عن الرقابة الحكومية التي تحمي الأنظمة ولا علاقة لها بالقارئ)، فقد نرى خبرا كاذبا يتم نشره، وتحليلا خادعا يتم ترويجه من أجل الدعاية لنظام، أو فكرة أو قرار ما، وقد يتم الهجوم عليه من أجل فكرة أخرى أو قرار آخر... إلخ، وذلك كله من أجل السيطرة على فكر القارئ، ورأيه واقتناعه وقراره، وكما قيل قديماً "الزنّ على الودان أشد من السحر"، وهذا تحديداً ما يقوم به الإعلام المغشوش. .. هل يمكن أن نرى يوماً جمعياتٍ تعمل على حماية المواطن من الغش الإعلامي؟
أمل بعيد ولكن قد يتحقق يوماً.
795B9830-8541-444B-B4A4-35AB0D11D51C
محمد لطفي (مصر)