عن التلفيق في الإعلام المصري

05 سبتمبر 2020
الصورة

بعد أكثر من عامين من الاعتقال، صدر، قبل أسابيع، قرار بإخلاء سبيل السيدة المصرية التي عرفت إعلامياً باسم "أم زبيدة"، والتي فضحت تعرّض ابنتها لاعتداءات في أثناء اعتقالها، وذلك بعد قرارات سابقة صدرت بإخلاء سبيلها، لكن النيابة كانت تستأنف، وتتمكّن من استصدار قرار بحبسها من جديد. وشهدت القضية وقائع عابثة وهزلية عديدة، مثل القبض على محامي أم زبيدة نفسه وإخفائه قسرياً، لكنها شهدت أيضاً تدليساً كبيراً من وسائل الإعلام المصرية التي لم يعد من المستغرب أن تقوم بمثل تلك الجرائم الإعلامية، فبعد القبض على أم زبيدة مباشرة، تكالبت المواقع الإخبارية والفضائيات لتدّعي أن السيدة اعترفت أنها تلقّت أموالاً من قناة "بي بي سي" على ثلاثة أقساط، لتدّعي أن ابنتها تعرّضت للاختفاء القسري والاغتصاب في أثناء اعتقالها.

وبعيداً عن الكذب المثير للسخرية في مسألة الـ"ثلاثة أقساط" التي دفعتها "بي بي سي"، فإن كل ما نشرته وسائل الإعلام تعارض مع ما قالته الأم نفسها في حديثها على قناة "مكملين" الفضائية قبل اعتقالها بساعات، إذ تمسّكت بكل ما قالته في لقائها مع "بي بي سي"، وأكدت أن ظهور ابنتها في لقاء مع عمرو أديب إنما جاء بعد ضغوط عليها لكي تظهر. وبالتالي، لا يستقيم أن تغير ما قالته بعد القبض عليها، كما أن كل ما نشرته وسائل الإعلام المصرية كان واضحاً أنه جاء بناء على تلقينٍ من أجهزة الأمن التي أمدّت وسائل الإعلام برواية موحّدة في الموضوع. كما أن عمرو أديب نفسه الذي ادّعى، في لقائه مع زبيدة، أنه جرى في منزلها، لم يلبث أن وقع بلسانه في اليوم التالي، واعترف أن اللقاء جرى في مقرٍّ تابع لوزارة الداخلية، وهو ما يكشف كذب روايته الأولى التي زعم فيها أنها لم تتعرّض لأي ضغوط. وسيكون مفيداً هنا استعراض أحداثٍ روّج الإعلام المصري فيها أحاديث ملفقة على ألسنة أبطالها، من دون أن يكون هؤلاء قد قالوا تلك الأحاديث على الإطلاق، وهي رواياتٌ تمتلئ بالكذب والتدليس.

ادعت مواقع إخبارية وفضائيات أن السيدة "أم زبيدة" اعترفت أنها تلقّت أموالاً من قناة "بي بي سي" لتدّعي أن ابنتها تعرّضت للاختفاء القسري والاغتصاب في أثناء اعتقالها!

اتخذت تلك التلفيقات عدة أشكال، واتبعت عدة استراتيجيات، منها: تلفيق أحاديث لشخصيات دولية، ومنها ما نشرته صحيفة "المصري اليوم"، بعد تجميد الإتحاد الأفريقي عضوية مصر وإرساله لجنة حكماء بعد عزل الرئيس محمد مرسي، ففي محاولة منها للإيحاء بوجود تأييد دولي لعزل مرسي، نشرت الصحيفة حواراً متخيّلاً زعمت أنه دار بين مرسي ورئيس لجنة حكماء أفريقيا، ألفا عمر كوناري، وفي تفاصيل الخبر أن الأخير قال لمرسي "الوضع كارثي، أنت نجحت في انتخابات الرئاسة بنسبة 51%، وخسرت في أقل من عام، إلى درجة أن الشعب انقلب عليك، ولا يمكنك إنكار حجم الحشود ضدك، مصلحة بلدك أهم من مصلحتك الشخصية، ولا بد أن تدرك أن الأمر انتهى". كذلك لفّق مصطفى بكري، وهو أحد كبار منافقي النظام، حديثاً خيالياً زعم أنه دار بين مرسي ومسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاترين أشتون، قائلاً إن الأخيرة سألت مرسي عما يريده، فأجابها بالمطالبة بالإفراج عن خيرت الشاطر نائب مرشد الجماعة، في إشارة إلى أن مرسي لا يملك من أمره شيئاً، وأنه يأتمر بأوامر الشاطر. ويتضح حجم الكذب والتدليس والسقوط الأخلاقي في هذا الحوار الكاذب، عندما نجد أشتون نفسها ترفض الحديث عما دار بينها وبين مرسي، قائلة إنه لا يصحّ أن تضع كلاماً على لسانه في غيابه، وهو أمر أخلاقي وبديهي، لم يلتزم به الإعلام المصري.

نشرت صحف مصرية اعترافات ملفّقة لم يدل بها أصحابها

وعقب فض الاعتصامين في ميداني رابعة العدوية والنهضة، والقبض على مئات من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، بدأت مرحلة تلفيق الاعترافات المحلية، فقد نشرت صحف اعترافات ملفّقة لم يدل بها أصحابها. وقد نشرت صحيفة الأهرام، على سبيل المثال، مع صحف ومواقع إخبارية أخرى، خبراً يدّعي أن مرشد جماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، اعترف في التحقيقات بمسؤولية القيادي في الجماعة، محمد البلتاجي، عن تمويلها وتسليحها، وأنه وراء ارتكاب جرائم العنف التي وقعت منذ أحداث "30 يونيو". ولكن الصحيفة عادت ونشرت بعد يومين خبراً آخر مختلفاً تماماً، كتبته الصحافية نفسها صاحبة الخبر الأول، يتضمن التفاصيل الحقيقية للتحقيقات مع بديع، والتي رفض فيها الإجابة عن أسئلة النيابة، مؤكّداً أن البلاد في حالة انقلاب عسكري.

ونشرت "المصري اليوم" تقريراً يحتوي على تناقض كبير بين عنوانه ومحتواه، فالعنوان عن "اعترافاتٍ" أدلى بها القيادي الراحل عصام العريان، في قضية التخابر المتهم بها، وعندما تقرأ متن التقرير تجد أنه يرفض جميع الاتهامات ويسخر منها. وقد اتبعت الصحيفة في التقرير مدرسة "العناوين المثيرة"، وهذه تعتمد على أن معظم القراء يكتفون بقراءة عناوين الأخبار فقط، من دون التعمق في قراءة تفاصيلها. وبالتالي عندما يقرأ المتابعون هذا العنوان سيعتقدون أن العريان قد أدلى باعترافاتٍ فعلاً بالمخالفة للحقيقة.

اتخذت التلفيقات في الإعلام المصري عدة أشكال منها تلفيق أحاديث لشخصيات دولية

وبعد نشر تسريبات لعبد الفتاح السيسي ومسؤولين في النظام، بدأت خطة إعلامية مضادّة لنشر تسريبات مماثلة لمرسي وقيادات "الإخوان"، فنشرت صحيفة "الوطن" ما كتبت أنه تفريغ لخمس مكالمات دارت بين مرسي وزعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، لكنها لم تستطع تقديم أي دليل يثبت صحة هذه الأحاديث المزعومة، خصوصاً مع محتواها الساذج والمفتعل. والأكثر إثارة للسخرية أن تفريغ تلك المكالمات المزعومة احتوى على شفراتٍ استخدمت في أفلام سينمائية كوميدية، مثل الجملة التي يقول فيها الظواهري "مش دي شقة المعلم فوزي ومراته الجديدة" فيردّ مرسي "أيوه دي شقته وأنا مراته الجديدة"، وهو كلام قيل في فيلم "صعيدي في الجامعة الأميركية"! 

كل الأمنيات لأم زبيدة بأن تتجاوز، هي وابنتها، هذه المحنة، وأن تتم محاسبة الإعلام المصري على جرائمه التي يمارسها بصورة يومية منذ أكثر من ثماني سنوات.