عن إرهاق الحياة وتجديد التشبيهات وحتمية الوصول

07 سبتمبر 2020
+ الخط -

ـ الحياة أصلاً صعبة ومرهقة وثقيلة الظل، لكنها تصبح أثقل ظلاً وأكثر صعوبة وإرهاقاً، حين تضطر لاستكمالها وسط كل هذا الكم من أصحاب المواقف المبدئية والتجارب المكتملة والأفكار الملهمة والخالين من العيوب والخطايا والشكوك، والنازلين إلى الدنيا بضمان مدى الحياة ضد كافة عيوب التصنيع التي نزل بها كل بني الإنسان.

ـ من باب التجديد في التشبيهات، يصح بدلاً من وصفك لفلانة بأنها "جميلة ولذيذة وما يتزهقش منها أبداً ولطفها يخليك تتصالح مع كل مشاكلها"، أن تختصر وتقول "كإنها فيلم لمحمد فوزي".

ـ يحدث التغيير الحقيقي في حياتك حين تكتشف استحالة تغيير آراء أغلب الناس في أي شيئ، وأنك ليس مطلوباً منك أكثر من أن تقول كلمتك وتمضي، المشكلة أن ذلك لا يحدث إلا بعد أن يمضي من حياتك أغلبها.

ـ الأزمة تكمن أساساً في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد والعفشة قافشة في إطار الزبالات الممكنة.

 ـ استمرارية السعي لا تضمن حتمية الوصول، وإمكانية الوصول لا تضمن حتمية السعي، وحتمية الإمكانية توجب إلى السعي للضمان، وضمان الحتمية يسعى إلى إمكان الوجوب، والأعمار بيد الله.

ـ لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الشراقوة ونصاحة المنايفة.

ـ لا أنكر أن مصر ولادة "وفيها الطلق والعادة"، لكن عليك ألا تنكر أنها مبتلاة بعدد مهول من القتلة والحانوتية المتخصصين في قتل ودفن المواهب حديثة الولادة.

ـ لا أنصحك بتخصيص وقت لقراءة الرسائل المتبادلة بينك وبين زوجتك على التليفون منذ ارتبطتما، لأنك لن تستوعب بسهولة النقلة بين رسالة "واحشني وانت قُصاد عيني" التي بدأت بها سلسلة الرسائل، ورسالة "هات ليمون وانت جاي، اوعى تنسى زي كل مرة" التي آلت إليها الرسائل، وإذا فعلت لأن لديك فائضاً من الوقت، فلا تكن دراماتيكياً أكثر من اللازم، وتذكر أن كل قصص الحب العظيمة لا بد أن تقلب في مرحلة ما "على جو بقالة"، وإلا لما استمرت.

ـ المدهش في موضوع السفّ على الإنترنت، أن المهووسين به لا ينتبهون عادة إلى أنهم مع الوقت يتحولون إلى مادة ممتازة جداً للسفّ.

على من سيعيش بعدنا أن يقول للأجيال التي يعاصرها أن الإنفاق على الطب والأطباء والتعليم والمعلمين أهم مليون مرة من الإنفاق على الجيوش وصفقات السلاح والغاز المسيل للدموع وأدوات التعذيب

ـ من أطرف وأبلغ ما قرأته عن علاقتنا بالتكنولوجيا، خبر حكى أن طفلاً أبلغ الشرطة عن قلقه من مساعده الصوتي الرقمي، لأنه حين سأله عما إذا كان سيقتله في نومه فأجابه قائلاً: "لا يمكنني الإجابة على ذلك".

ـ الأب الذي يسخر من تفكير أبنائه الطفولي ويستغرب تصديقهم لأي شيء، هو نفسه الذي يفشل في إمساك دموع الفرحة والفخر، حين يرى أي ورقة يلطع عليها أبناؤه جملة "Best Dad Ever".

ـ من أهم تدريبات الصبر والثبات الانفعالي، أن تكتم الضحك حين يقول لك صديقك المشهور بآرائه البلهاء: "مشكلتي إن دماغي شغالة طول الوقت"، عليك أن تكتفي بهز رأسك تعاطفاً، وتتركه للأيام لكي تكشف له بنفسها أن هذه كانت مشكلته فعلاً، وأنه لو كان قد توقف عن تشغيل دماغه طول الوقت، لأراح وأراح كل من حوله.

ـ على من سيعيش بعدنا أن يقول للأجيال التي يعاصرها أن الإنفاق على الطب والأطباء والتعليم والمعلمين أهم مليون مرة من الإنفاق على الجيوش وصفقات السلاح والغاز المسيل للدموع وأدوات التعذيب، ولكي يكونوا عمليين لا حالمين مثلنا، عليهم أن يقترحوا على قادة البلاد في أيامهم أخذ عمولات من صفقات شراء الأدوية والمستلزمات الطبية والتعليمية بدلاً من عمولات صفقات الأسلحة بأنواعها. طبعاً نحن نعرف أن أغلب هؤلاء الذين سيعيشون بعدنا، سينسون مع أول نعرة وطنية كذابة أو صادقة أهمية الطب والتعليم، وسيصفقون للحرب المجيدة وأبطالها المغاوير والأمن القومي وحماته الأشاوس، لكن لا يمنع أن تقولوا لهم وخلاص راحة لضمائركم ولعظامنا في تربتها.

ـ أحلى قفلة لنقاش ديني حضرته أو اشتركت فيه في حياتي، كانت على هامش نقاش طويل عن جزاء مرتكبي الكبائر ومسألة التخليد في الجنة، حين قال صديق متدين لصديق آخر منفلت وهو في منتهى الغضب من آرائه الصادمة، أو ربما لكي يحسم الجدل: "أنا أصلا لو شفتك في الجنة هاطلّع د***ك"، فصارت مَثَلاً على رأي العرب.

ـ أفضل ما جاء في توصيف الوظيفة والموظفين عبارة قالها الفيلسوف الساخر جورج كارلين: "البعض ينظر إلى الأشياء ويسأل: لماذا؟ والبعض يحلم بالأشياء ويسأل: لم لا؟ والبعض الآخر مضطر للذهاب إلى الوظيفة ولذلك ليس لديه الوقت لمثل هذا الهراء".

ـ الناس التي تبكي بحرقة في أحداث المسلسل وهي تصدق أن الظلم آخرته شنيعة، وأن المظلوم لا بد أن يأخذ حقه من الظالم في الحلقة الثلاثين، هي في الغالب الأعم، نفس الناس التي تلعن سنسفيل من يقول لهم أن الظلم في الحياة آخرته شنيعة، ولا يصدقون أن المظلوم حتى وإن سكت على حقه، سيأتي يوم وينفجر في وجه من ظلمه ومن سكت على ظلمه، وموقفهم هذا ليس فيه تناقض أو قصر نظر كما قد تظن، بل هو جزء من خبرة عملية متوارثة عبر الأجيال، جعلتهم يدركون أن الحياة أبشع من أن تكون مسلسلاً لا بد له من "قفلة" عادلة لكي يرتاح الزبون ولا يكره الفرجة على المسلسلات.