عن "بلدنا الرهيب"

عن "بلدنا الرهيب"

07 نوفمبر 2014
الصورة

لقطة من الفيلم

+ الخط -

غصت قاعة معهد العالم العربي في باريس، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بجمهور غفير لم يعقه مطر باريس الغزير، عن حضور الفيلم الوثائقي للمخرج السوري، محمد علي الأتاسي، (بلدنا الرهيب)، والذي يجسد تجربة المثقف المناضل، ياسين الحاج صالح، وزوجته سميرة الخليل، التي خطفتها جماعة مُتطرفة، منذ أكثر من عام مع الناشطة رزان زيتونة وزوجها. وأشير هنا إلى أن بعض الحضور لم يتمكنوا من متابعة الفيلم لقسوته، لأننا سورية بلد رهيب فعلاً. لن أتحدث عن الجانب السياسي للفيلم، على الرغم من أن ياسين الحاج صالح اعتقل، وهو في العشرين من عمره وطالب في السنة الثالثة في كلية الطب البشري، ستة عشر عاماً، وكتب تجربته في كتاب أصدرته دار الساقي "ستة عشر عاماً في السجون السورية".

اعتدنا على أنباء الاعتقال والسير الذاتية للمعتقلين، إلى درجة صرنا نشعر معها بأن الاعتقال في سورية لا بد منه، ومألوف مثل الخبز اليومي. ولن أتطرق إلى مشاهد الدمار المروعة في دوما والغوطة، وإلى العدسة العبقرية، التي أدمت قلوبنا، وهي تسلط الضوء على جزء مهترئ من ستارة خضراء، قاومت، ولم تحترق لتشهد على بشر كانوا يسكنون في منزل تحول إلى أنقاض، وإلى أبنية تكسرت جدرانها وسقوفها، وبدت مثل قطع البسكويت، يفتتها ويكسرها بأصابعه طفل صغير. لم تُقصر الفضائيات في تصوير مشاهد الدمار المروعة في سورية، لكن تلك التفاصيل الصغيرة، والتي تبدو، للوهلة الأولى، تافهة ولا تعلق في الذهن، مثل جزء من ثريا تفحمت، أو رأس دمية محترقة الشعر، كانت لطفلةٍ آمنةٍ، تلعب بها قبل أن تفر من قدرها الأسود، هاربة من البلد الرهيب، تذرع الآفاق سدى مع أهلها، وربما تكون قد ماتت وقُطع رأسها، مثل دميتها، أو تكون بائسة في خيمة نزوح، مشاهد الدمار الفظيعة في دوما والغوطة، وما يرافقه من كلام لياسين الحاج صالح، وزوجته سميرة، كما لو أنهما يعيشان حياتهما الطبيعية، متجاهلين وجود كاميرا ترصدهما، كل تلك المشاهد التي جعلتنا نتابع الفيلم، وأنفاسنا مخطوفة، والفزع يُطبق علينا، كأنه مصر إلى أن يدفعنا إلى الجنون، لأننا نعي، في كل لقطة، وكل عبارةٍ يقولها ياسين، أية حياة رهيبة نعيش، وأي خوف يُكبلنا، وأي عذاب ينهشنا، وأي دمار مادي ونفسي يلحق بنا. الفيلم ليس سوى إنعاش لذاكرتنا التي خدرتها المصائب المتلاحقة، وأعماها الخوف. إنه أشبه بجرعة فيتامين قوية، تهزنا من جذور أعصابنا لتضعنا أمام مرآة الحقيقة.

تحضر في فيلم (بلدنا الرهيب) قوة الإنسان، التي جسدها ياسين الحاج صالح، إلى درجة تساءلت مع حاضرين كثيرين، كيف لا يزال يملك القدرة على المشي، وعلى حلق ذقنه بأناقة، كما شاهدنا في الفيلم، وعلى الكتابة، وعلى تبني مجموعة من الشبان في عمر أولاده، ليدعمهم ويؤازرهم، لكيلا يسقطوا في لجة اليأس، ولا ينحرفوا إلى العنف والإجرام والانتقامات. ياسين نموذج للإنسان السوري، الذي لم ينهر بعد سجنه ستة عشر عاماً، بل خرج من السجن مثقفاً من طراز رفيع، ومتحرراً من الأحقاد ومؤمناً، أكثر فأكثر، بقضيته الإنسانية العادلة: الحرية والكرامة والعدالة للسوريين. أكمل دراسته الطب، على الرغم من انقطاعه عنها ستة عشر عاماً، لكنه نذر نفسه للكتابة وللعمل السياسي، لأنه يعشق وطنه. لكن، يبدو أن القدر يهوى تحدي الأشخاص الأقوياء والمميزين، فبعد أن قرر، وزوجته المناضلة سميرة، أن يعيشا في دوما والغوطة، وأن يساعدا الناس المنكوبين، خُطف اثنان من إخوته في الرقة، التي تسيطر عليها داعش، فما كان منه إلا أن لجأ إلى الرقة، المدينة التي ولد وعاش فيها، عساه يصل إلى طرف الخيط، ويعرف مصير إخوته، وعاش تلك الأسابيع في الرقة مُتخفياً، وهو يتأمل الوحوش المتعددة، التي تنهش في جسد وطن مُستباح اسمه سورية.

في تلك الفترة، خطفت زوجته سميرة جماعاتٌ متطرفة في الغوطة، وخُطفت معها رزان زيتونة وزوجها. كيف يمكن لإنسان أن يتحمل كل تلك المصائب، ولا ينهار، ولا يفقد عقله. اضطر إلى اللجوء إلى المنفى، لأنه لم يعد قادراً على أن يقدم أي شيء، في بلد الجنون والموت والدمار، سورية، واستمر في نضاله الأساسي، الذي يسميه النضال الثقافي، لأنه مؤمن أن الجهل والتخلف لعبا دوراً رئيسياً، في وصولنا إلى ما نحن عليه. أكثر ما أعجبني في كلام ياسين إيمانه بدور الثقافة، وبضرورة تغيير العقلية المتعفنة الأشبه بالبحيرة الآسنة. ياسين الحاج صالح مُحصن ضد الانهيار، يلعب لعبة ليّ الذراع مع القدر، لن ينهزم، طالما لا يزال نبض في عروقه، يؤمن بالحرية والكرامة، ومن يؤمن بالحرية يعرف أن لا قيمة لعيش يشبه عيش دجاجات في قفص، بل تسهل التضحية بالحياة من أجل القيمة التي وجدنا لنعيشها: الحرية.

كان ياسين في الفيلم مرآة كل سوري وسورية، فكلنا في مهب الجنون العاصف والشياطين، التي تستبيح البلاد والعباد، وتحول سورية إلى بلد رهيب. وأكرر معه ما قاله في الفيلم إن الجميع، كل دول العالم تريدنا أن نبقى في الظلام، ظلام العقل والجهل. وما من سبيل للنجاة من هول ما نعيشه سوى بالثقافة وتنوير العقل. تحية إلى ياسين الحاج صالح، الذي أبدع في رغبته في الحياة والحرية في قلبه، وهو المؤمن، حتى النخاع، بأن لا قيمة لعيش إلا بالكرامة والحرية، ولأنه عاشق لسورية التي لا يريدها رهيبة.

دلالات