عن "الكلب" الذي يهجر صاحبه

29 يناير 2018
+ الخط -
حبيبي فواز..
تظن أنني لا أعرف اسمك! نعم أعرفه فأنت حبيبي وصاحبي، كنت تطعمني وتحممني وتهتم بي، حتى أمك، أم محمود، رغم أنها كانت لا تطيقني وتطلب منك التخلص مني، ولكنني كنت أحبها لأنها أمك، وأحن إليها حتى وإن قست علي، ولكنها كانت تعطيك بقايا الطعام لتأخذها لي على سطح البناية.

وأولاد أختك الأشقياء الذين كانوا يتغالظون علي ويظنون أنني لن أفعل لهم شيئاً لأنهم فقط أولاد أختك، أتذكر طارق الابن الثاني لأختك لقد هرشت مؤخرته فقط لأخيفه ليعلم أنه لا يداس لي على طرف، أين هو، أفتقده رغم شقاوته.

أطوف الحي كله بحثا عنك فلا أجدك.. لا أستطيع الصعود إلى الطابق الثاني من البناية التي كنت تسكنها فقد أصبحت على الأرض، أضحت ركاما وهجرها ساكنوها.

راحت تلك الأيام التي كنت تركض فيها في شوارع المدينة وإلى جانب النهر، وأنا أركض بجانبك أتباهى أمام الكلاب الشاردة أن لي صديقا يهتم بأمري وأنني لست مشردا مثلهم.

اتذكر حين كنت تحدثني كصديق وتشكو لي فصول خطيبتك وأهلها، وكنت تظنني لا أفهم، أنا أحس الآن ألم الفراق حين كانت تهجرك، فها أنت قد هجرتني دون أن تخبرني أين أجدك، أما حبيبتك فقد كنت تعرف عنوانها وتذهب لترمي الحصى على نافذتها فتخرج إلى النافذة، وسلام فكلام ثم تتصالحا.

أين أجدك، أطوف شوارع المدينة الحزينة، ماذا حدث، زلزال، غضب.. كانت الشوارع عامرة والأضواء جميلة، كنت أسرح في شوارعها بأمان، أستمتع بشوارعها وأراقب الإناث الجميلات يمشين بجانب صاحباتهن الكلبات المدللات وأغازلهن وأتمتع بالهواء العليل.

أين الناس؟ أين الفتيات الجميلات؟.. أبوعبدو الدكنجي الذي كان يترك فضلات دكانه لي ويدللني ويكرمني لأجلك وهو يقول: "كرمال مرج تكرم مرج عيون"، لم يعد يكترث بي، فمع غلاء المعيشة وغلاء أسعار الحاجيات لم يعد لديه الكثير ليرميه وغابت العين ومرج العيون معها.

وأبو توفيق اللحام الذي كان يترك العظام واللحم "المجروم" لي، لم يعد يفعل، وصار يطردني كلما حاولت الاقتراب من ملحمته، فهو بالإضافة إلى أنه لا يذبح كمية الأبقار نفسها التي كان يذبحها من قبل لغلاء الأسعار، صار يبيع الفضلات هذه بدل أن يرميها، فهناك دائما من هو راغب بشرائها في أيام الحرب والغلاء هذه.

أما المزابل فحدث ولا حرج، فليس من حاوية قمامة واحدة في البلد يمكنك الاقتراب منها، لقد أصبحت مساكن للبشر، وبعد أن كانت الكلاب والقطط القوية تهيمن على الحاويات المدهنة منها وتحميها كمناطق نفوذ ممنوع الدخول إليها، أضحت المزابل امتيازات بشرية يمنع على الحيوانات الاقتراب منها.

ثم من هؤلاء؟ أشخاص بأوجه غريبة لم أرهم من قبل في الحي، لحى طويلة ووجوه غاضبة، وهذه الحداحيد التي يحملونها، ترش نارا منها، ما هذا؟! أحدهم المرة الفائتة عبرت بجانبه وصاحبي فلفل - لا تقلق هو ليس كلبا شاردا إنه ابن أصول فقد صاحبه مثلي - ولم نفعل له شيئا، لم نره إلا وهو يصوب حديدته نحونا ورشق من النار يتجه نحونا، كنت أسرع منه ولكن فلفل أصيب ولم أستطع أن أساعده، فقد كان الغضب فوق التصور وأنا محظوظ أنني نجوت، ولست أدري ما حدث لفلفل فلا أجرؤ على الاقتراب مجددا من تلك الحارة.

ما هذا الحاكم "الكلب" الذي دفع شعبه للهجوم على مناطق اختصاصنا، أنا أفهم أن يهتم كلب بطعام بشري، أما العكس فلم أره من قبل.. ما هذا الكلب البشري!

ماذا أفعل؟ الطريق إلى لبنان يحتاج إلى فيزا وليس لدي أقارب ليقوموا بتدبير قسيمة إقامة لي.

ولست أملك أربعة آلاف دولار أدفعها لمهرب كي يهربني إلى ألمانيا، فقد سمعت أنهم يهتمون هناك بحقوق الحيوانات، حتى أن عندهم ملاجئ للحيوانات، ومستشفيات خاصة بنا.

أريد فيزا، أريد أن أهاجر من بلاد الكلاب البشر إلى بلاد البشر الذين يرفقون بالكلاب، أريد قرضا وأعدكم بأنني سأعيده مع الفوائد حين أسافر، فهذه بلاد حتى الكلاب لم تعد ترغب في العيش فيها.

دلالات