عمال متسوّلون في أفغانستان

عمال متسوّلون في أفغانستان

02 ابريل 2017
الصورة
مجبر على التسوّل (ألكساندر كلاين/ فرانس برس)
+ الخط -

للبطالة تأثير سلبيّ بالنسبة لعامّة الأفغان، والشباب بشكل خاص. عدد كبير منهم اضطرّوا إلى مغادرة البلاد، وتحمّل مشقّة السفر بحثاً عن لقمة العيش. ولا يبتسم الحظّ دائماً لهؤلاء، إذ يقضي قسم منهم على الطريق. وما زالت معاناة اللّاجئين الأفغان الأخيرة، وتعرّضهم للخطف والقتل في عدد من دول العالم، حاضرة في الأذهان.

أزمة البطالة في أفغانستان دفعت عدداً كبيراً من الشباب إلى التسوّل. وتفيد بعض المنظّمات المحليّة، المعنيّة بحقوق العمال، بأنّ البطالة وهشاشة الوضع الاقتصادي أجبرتا مئات العمّال على التسوّل لتأمين لقمة العيش. من بين هؤلاء سمير (40 عاماً)، وهو من سكان شمال أفغانستان، ويقطن حاليّاً في ضواحي كابول. صباح كلّ يوم، يتوجّه إلى المكان الذي يتجمّع فيه العمال قرب محطة تيمني، علّه يجد عملاً. أحياناً، ينجح في الحصول على عمل. وإذا لم يحصل على عمل، يستمر في البحث، أو يتوجّه إلى سوق شهر نو في قلب العاصمة كابول، ويتسوّل علّه يتمكّن من إحضار بعض الأساسيّات من طعام وشراب لأطفاله.

كان سمير يعيش حياة مستقرّة قبل أن تجبره الحروب بين حركة "طالبان" والحكومة على ترك منزله في إقليم بادغيس غرب أفغانستان. في الوقت الحالي، يقول إنّ الحياة أصبحت صعبة إلى درجة لا يمكن وصفها. يضيف أنّ التسوّل ليس أمراً سهلاً، لكنّ الظروف القاسية ترغمنا على ما لم نكن لنتصوّره أبداً.

يكسب سمير يوميّاً نحو 500 أفغاني، أي أقلّ من ثمانية دولارات تقريباً. يلفت إلى أنّه لن يتردّد في قبول أي عمل مهما كان شاقاً أو صعباً، فالمهم بالنسبة إليه هو إيجاد عمل وكسب قوت يومه. لكنّه حين لا يتمكّن من الحصول على عمل، يصبح التسوّل خياراً لا مفرّ منه، وإن كان لا يفضّله، حتّى لو وجد عملاً لا يدرّ عليه مالاً على غرار التسوّل.




هكذا، يترك الوضع الاقتصادي الهش في البلاد الآلاف، على غرار سمير، من دون عمل، ما يجبر بعضهم على التسوّل. ويقول سمير إنّه وصديقه يحاولان الحصول على عمل. لكن إذا لم يوفّقا، يتوجّه إلى شهر نو، وصديقه إلى سوق الصرافة المعروف في كابول بسراي شهزادة. هدفهما واحد وهو كسب لقمة العيش لإطعام أسرتيهما الفقيرتين.

هذه الأزمة لا تقتصر على العاملين في العاصمة كابول، بل تشمل أيضاً القاطنين في الأقاليم، علماً أنّ أوضاعهم أكثر سوءاً. في هذا السياق، تشير اتحاديّة العمال، في بيان، إلى أنّ الوضع المعيشي الصعب وقلّة فرص العمل، يجبران العمّال على التسوّل، بينهم الشباب والمتعلّمون، معربة عن أسفها الشديد إزاء وضع العمّال.

في هذا السياق، يقول رئيس الاتحاديّة محمد لياقت عادل إنّ الوضع المعيشي بشكل عام في شرق أفغانستان، وحالة العمال بشكل خاص كارثية. ويشير إلى أنّ فقدان فرص العمل وتفشي البطالة وكثرة العاملين في المدن بسبب الحالة الأمنية في القرى والأرياف، ساهمت في تدهور حال العمال. يضيف أنّه لا ينجح بعضهم في العثور على عمل، ولا يوجد أمامهم خيارات علماً أنّ الأعراف في البلاد لا تشجّع على التسوّل.

إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحصول على عمل ليس المشكلة الوحيدة في البلاد، بل تكمن المشكلة الأبرز في الحصول على الأجر من أصحاب العمل. ويوضح عادل أنّه في كثير من الأحيان، لا يحصل العمال على بدل ساعات عملهم كاملاً، علماً أنّ القوانين لا تحفظ حقوق العمال أو تجبر أصحاب العمل على الدفع.



ويقول أحد العمّال في مدينة جلال أباد، سيد أفضل، وهو أب لعشرة أولاد، إنّه يصعب إيجاد عمل في كثير من الأحيان، "ونحن مرغمون على تأمين الطعام لأولادنا. بالتالي، ليس أمامنا غير التسوّل، حتى نطعم أولادنا في المساء".

بطبيعة الحال، ليس التسوّل أمراً سهلاً لشخص كان ينتمي إلى أسرة ثريّة في قريته، وأصبحت فقيرة بعدما قتل مسلّحون ثلاثة من أفرادها، ما دفع بقيّة العائلة إلى التوجّه إلى مدينة جلال أباد هرباً من المسلّحين، ولتأمين لقمة العيش.

عدد كبير من العمّال في مدينة جلال أباد هم من سكان المديريّات الحدوديّة الأربع مع باكستان، وهي هسكه مينه، ودور بابا، وأتشين وشينواري. هؤلاء لجأوا إلى مدينة جلال أباد وضواحيها بعدما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على مناطقهم وأجبرهم على النزوح.

محمد حسين (65 عاماً)، وهو من سكّان مديريّة هسكه مينه، ترك منزله بعد سيطرة داعش على المديريّة بكاملها، علماً أن قوات الأمن شنّت عملية عسكرية موسعة ضدهم. هرب هو وكل من في قريته حتى لا يتحولوا إلى ضحايا للحرب بين الطرفين، وقد ظنوا أنهم سيحصلون على لقمة العيش بسهولة في مدينة جلال أباد، ولكن ذلك كان صعباً للغاية. ويقول حسين إنّه يخرج من منزله كلّ صباح، علّه يجد عملاً. لكنّه في معظم الأحيان لا يوفّق. يشير إلى أنّه يرفض التسوّل، لكنّه يقصد أصحاب المحال ويحكي لهم قصّته، علّهم يقدّمون له بعض المعونات، وهم ما يحدث غالباً.

من جهته، يقول الناطق باسم الحكومة المحليّة في إقليم ننجرهار، عطاء الله خوجياني، إن هذه المشكلة ليست على مستوى الإقليم، بل على مستوى البلد بأسره. لذلك، نحن في أمسّ الحاجة إلى وضع استراتيجيّة شاملة، لافتاً إلى أنّ تحسّن الوضع الأمني مهم أيضاً.