على هامش الموت والذكريات

02 يوليو 2020
الصورة

(صفوان داحول)

ما الذاكرة؟ وما الذكريات؟ وما الماضي؟ ما الزمن الذي يمكن أن نعرف من خلاله، وفي إطاره، مفاهيم غامضة كتلك المفاهيم، رغم أننا نعيشها بشكل يومي وتستطيع أن تكوّن هوياتنا الإنسانية، وتساهم في تعريف ذواتنا أمام أنفسنا على الأقل؟ كيف يمكننا أن نعرّفها بأنفسنا، ونعرّفها للآخرين مثلا؟ 

أحاول، منذ أيام قليلة، أن أسترجع ذكرياتي القديمة جداً التي تربطني بشخصٍ عشت معه طوال عمري، فأجدني عاجزةً تماما عن لملمة تلك الذكريات والإحاطة بها. أحاول أن أرتبها في ذاكرتي فأشعر بالعجز، ذلك أنها تتفرّع كلما اعتقدت أنني أحطت بها لذكرياتٍ تفصيلية، لا أقوى على جمعها أساسا. 

ما الذكريات؟ ما معنى أن نتذكّر قصصاً وأموراً ومواقف وأفعالاً وأقوالاً عشناها وقلناها وشهدناها في الماضي، لنؤطرها ذكريات محفوظة في ما نسميها الذاكرة، ونستطيع أن نستدعيها وقتما نشاء؟ حياتنا كلها مجموعة هائلة جدا من هذه القصص والأمور والمواقف والأفعال والأقوال، فلماذا تصلح بعضها لأن تتحوّل إلى ذكرياتٍ باقية في الذاكرة، وخالدة إلى الأبد، بينما تتسرب البقية الباقية منها إلى العدم؟ ما الذي يميز بعض هذه القصص والمواقف والأقوال، كي نحتفظ بها دون غيرها؟ وما آلية استدعائها في الذهن أحيانا؟ 

مرّات تتدفق تلك الذكريات علينا كأمطار موسمية عاتية بلا معنى، ولا رابط يربط بينها، لتسعدنا أحيانا ولتحزننا أحيانا أخرى، ومرّات تستعصي علينا على الرغم من رغبتنا في محاولة العيش في خضمها مجدّدا. لكنها تتصرّف دائما وفق منطق مجهول لنا، ولا نستطيع أن نتدخل فيه، حتى وإن نجحنا في رصد بعض معطياته الأولية أحيانا. 

الصور الفوتوغرافية مثلا تستطيع غالبا أن ترجعنا إلى وقت التقاطها، وإلى الظروف التي كنا نعيشها في أثناء ذلك. والأغنيات تفعل أحيانا أخرى الفعل ذاته. وأمور أخرى مشابهة، كالقصائد والكتب والملابس والأشخاص الآخرون أيضا.. لكنها تبقى مجرّد أدواتٍ لمساعدة الذاكرة التي تريد أن ترمّم كيانها لتسترجع محتوياتها إن أتيح لها الأمر، وإلا فلن تنجح أيٌّ من هذه الأدوات في استعادة شيء اعتبر من الماضي، مهما كان عمره بالسنوات أو بالأشهر والأيام، وأحيانا بالساعات والدقائق. 

لا عمر لما يمكن اعتباره ذكريات، ولا تاريخ لما يمكن اعتباره ماضيا، فهي اعتباراتٌ نسبية، خاصة بنا كل على حدة، وبها في ذاتنا كل على حدة أيضا.

في محاولتي استرجاع ذكرياتي مع شقيقي الكبير رحمه الله، الذي رحل قبل ثلاثة أسابيع، وما عشته معه عمري كله، بسنواته وشهوره وأيامه ولياليه، انتهيت إلى الفشل التام في اعتبار كل ما تذكّرته من مواقف وأفعال وأقوال وقصص مجرّد ذكريات. ذلك أنني ما زلت أعيشها راهنا، على الرغم من مضي سنوات أو شهور أو أيام طويلة جدا عليها، ربما أنها أصبحت جزءا حقيقيا من تكويني النفسي والثقافي والاجتماعي، وبالتالي لن أستطيع أن أفكر فيها بشكل منفصلٍ عني، لكي تكون مجرد ذكرياتٍ تستدعي تفكيري بها وقتما عنّ لها ذلك، وأنني أستطيع العيش في الوقت الخارج عنها مثلا، أو أنني أستطيع أن أستمر في ممارسة الحياة، من دون أن تكون مكونا أساسيا من مكونات وجودي، ووقودا لازما لاستمرار هذا الوجود، فهل أعتبر الفشل بهذا المعنى نجاحا حقيقيا؟ بالنسبة لي؛ نعم .. يمكن اعتباره كذلك، بل لعله النجاح الحقيقي في ضمان بقاء سيرة شقيقي رحمه الله كاملةً، كما عشتها معه في وجودي الماضي والحاضر، وما يمكن أن يكون من المستقبل لي بإذن الله. 

ذكرياتنا إذن هي ما نقرّر العيش فيه، ومن خلاله وبواسطته، وما عدا ذلك هو العدم لنا ولها أيضا!