عشائر العراق توقّع وثيقة شرف لحماية المسعف

15 يوليو 2019
الصورة
أُسعف المريض (علي مكرم غريب/ الأناضول)
لن يجرؤ شخص على تفقّد آخر تعرض لحادث في الشارع، أو حتى مساعدته وإن كان في حالة حرجة وفي حاجة ماسة للوصول إلى المستشفى، بل حتّى إبلاغ الإسعاف أو الشرطة عن تعرضه إلى حادث، أو التبليغ عن العثور على جثة شخص ما، إذ أن تقديم المساعدة لمن يحتاجها في مثل هذه الظروف تؤثّر سلباً على صاحبها.

يقول عاملون في قطاع الصحة إنّ هذه التصرفات أدت وما زالت إلى فقدان أرواح كان يمكن إنقاذها في حال وجدت من يسعفها. ما يحدث ليس جديداً، بل يعود إلى خمسة عشر عاماً خلت، في ظل تعرّض المسعف للمساءلة من قبل ذوي المصاب، خصوصاً في حال توفي نتيجة حادث دهس على سبيل المثال. ويشير كثيرون إلى أن مسعفين دفعوا مبالغ كبيرة فضلاً عن تعرضهم للسجن أو التوقيف بتهمة التسبب بإصابة شخص ما ووفاته، في حين لم يقم هذا الشخص سوى بإسعاف المصاب ونقله إلى المستشفى.

ويبرّر رأفت خميس عدم إقدامه على إسعاف مصاب وإن كانت عملية الإسعاف هذه تنجيه من الموت، بالقول إنه اضطر إلى دفع نحو 60 ألف دولار، فضلاً عن توقيفه 32 يوماً في السجن، لقيامه بأمر مماثل. ويقول لـ "العربي الجديد" إنه شاهد، وهو يقود سيارته ليلاً، رجلاً ملقياً على قارعة الطريق كان بادياً عليه أنه تعرض لحادث. يضيف: "أوقفت سيارتي ورحت أتفقد الرجل، وتأكدت أنه على قيد الحياة لكن حالته حرجة للغاية إذ أن الدم ينزف من رأسه، وآثار كدمات تنتشر في كل أنحاء جسده". ويشير إلى أنه تيقن أن الوقت ليس في صالح هذا الرجل، فقرر نقله فوراً إلى المستشفى.



وما هي إلا ساعات قليلة حتى توفي الرجل داخل المستشفى، يقول رأفت. في هذه الأثناء، كان يدلي بمعلومات إلى الشرطة التابعة للمستشفى حول ما حدث، مؤكداً أنه لم يفعل أكثر من تقديم المساعدة لرجل تعرض لحادث. ولم تمض سوى ساعتين حتى قدم رجال إلى بيته كانوا في حالة غضب شديد، متهمين إياه بقتل قريبهم، والتسبب في دهسه بسيارته من دون أن يعترف، فقاضوه عشائرياً.

وللعشيرة دور كبير في العراق، ولها أعراف تنتهك أمن المجتمع من دون تدخل من الأجهزة الأمنية، وتصل إلى القتل بدواع كثيرة منها الشرف. وفي ما يتعلق بتهمة القتل، يتضمن الحكم العشائري قتل القاتل، إن أقرت على أحدهم بأنه قاتل وإن برأه القضاء. وفي حال التراضي العشائري، يدفع المتهم دية فضلاً عن إجراءات عقابية أخرى كالتهجير من منطقة سكنه.
هذا ما حصل مع رأفت، الذي برأه القضاء لعدم وجود أي دليل على تسببه بقتل رجل دهساً بسيارته، لكن حكم العشيرة أجبره على دفع مبلغ مالي بعدما أمضى أكثر من شهر في السجن لاتهام ذوي القتيل له بارتكاب فعل القتل. وفي وقت يملك رأفت ما يبرر موقفه، فإن قاسم الجويري يؤكد أنه لن يقدم على إسعاف أي مصاب في الشارع، على الرغم من عدم تعرضه لموقف مشابه، كما أنه لم يسجن أو يدفع أية مبالغ. ويقول لـ "العربي الجديد" إن أحداثاً مشابهة جرت لأشخاص يعرفهم تعرضوا لمشاكل بسبب تقديمهم المساعدة وإسعاف مصابين.

الجويري يشير إلى أنه يطّلع دائماً من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على حالات يصفها بـ "الكارثية"، ويقول إن "تراجع قوة القانون لصالح العادات العشائرية جرّ البلاد إلى الهاوية"، مضيفاً: "أشدد على أولادي وإخوتي وأقاربي ألا يقدموا المساعدة لمصاب غريب. إذ أصبح بحكم المؤكد أن من يقدم المساعدة في مثل هذه الحالات يقع في مشكلة كبيرة".

منذ سنوات ومواقع التواصل الاجتماعي تضج بمطالبات ودعوات موجهة إلى الجهات المسؤولة وزعماء القبائل لوضع حدّ لهذه الظاهرة الخطيرة، لا سيما بعدما فشل أعضاء في مجلس النواب بتحقيق تقدم في هذا الخصوص، بعد دعوات لاتخاذ إجراءات تمنع العشائر من محاسبة من يقدم المساعدة لمصاب أو التبليغ عن حادث ما".

لكن ناشطين أعربوا عن ارتياحهم بعد تحقيق مطالبهم ومناشداتهم المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وقد وقعوا والعديد من زعماء القبائل على وثيقة شرف تؤكد عدم محاسبتهم من يقدم المساعدة للمصاب. مؤخراً، بدأ مواطنون يتناقلون بيانات يصدرها زعماء قبائل عراقية، يؤكدون فيها دعمهم لحملة إنسانية أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو للقضاء على محاسبة من يقدم المساعدة لأشخاص تعرضوا لحوادث، من خلال توقيعهم وثيقة شرف لوقف هذه الظاهرة.

ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي توقيع زعماء قبائل وثيقة شرف اعتبروها خطوة في الاتجاه الصحيح للقضاء على العادات السلبية في المجتمع. يقول وسام الميالي، لـ "العربي الجديد": "إن موقف عشيرتنا يدل على توجه القبيلة للقضاء على ظاهرة غير حضارية ولا إنسانية تفشت في المجتمع". يضيف: "عشيرة الأميال التي أنتمي إليها من بين أكبر العشائر في العراق، ودعمها لهذه الحملة الإنسانية بالتأكيد سيكون له أثر إيجابي كبير".



من جهته، يقول الصحافي عمار حسن، الذي ينتمي إلى عشيرة الفريجات، إنه كان يحث كبار قبيلته على "وقف واحدة من أبشع الظواهر التي تسببت القبلية في شيوعها"، مبيناً لـ "العربي الجديد" أن "جميع من أعرفهم من صحافيين ونشطاء في المجتمع المدني والمثقفين تبنوا تثقيف عشائرهم ودعوة زعماء قبائلهم لدعم حملة لوقف هذه الظاهرة".

بدوره، يؤكد علي الغراوي، عضو مجلس عشائر بغداد، أن "شيوخ العشائر يواصلون إعلانهم نبذ ظاهرة عدم مساعدة المصاب أو الإبلاغ عن حادث لما تكبده المجتمع من خسائر بسبب هذه الحالة التي تحولت إلى ظاهرة أساءت لعشائرنا وقيمنا القبلية العربية الأصيلة". يضيف لـ "العربي الجديد" أن "تبني العشائر وزعمائها القضاء على هذه الظاهرة، تفتح الباب لتبنيهم القضاء على عادات سلبية أخرى يشهدها المجتمع".