عراقيات يبرعن في مشاريع خاصة هرباً من البطالة

22 يونيو 2020
الصورة
الخريجات كثيرات ولا وظائف متوفرة (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
+ الخط -

ندرة فرص العمل الحكومية في العراق، وشبه انعدامها في القطاع الخاص، دفعا بكثير من الخريجات الجامعيات على وجه الخصوص، إلى إطلاق مشاريعهن الخاصة التي نجحت سريعاً

في إحصائيات أجراها خبراء اقتصاديون، يتضح أنّ الجامعات والمعاهد العراقية تخرّج سنوياً نحو 600 ألف خريج وخريجة، من دون أن توفر لهم الدولة غير القليل جداً من فرص العمل، فيما هناك أكثر من 30 ألف مشروع ما بين متوقف أو شبه متوقف عن العمل في القطاع الخاص، وهو ما يدفع معظم الشباب إلى الإحباط واليأس من إمكانية الحصول على الوظيفة المناسبة، وإن بعد مرور سنوات من التخرج، فما هو الحلّ؟ تقول إسراء سعد (26 عاماً) لـ"العربي الجديد": "كنت من أوائل دفعتي، ومع ذلك، لم أنتظر بعد تخرجي الوظيفة لعلمي أنّ التعيين في وظيفة في القطاع الخاص يتطلّب سنوات خبرة، أما التعيين في وظيفة حكومية فيحتاج إلى وساطات وسنوات من الانتظار والملل. لذلك، لا بدّ من العمل على تحسين القدرات الخاصة التي نمتلكها وتأهيلها بما يتناسب وحاجات سوق العمل وهذا ما دفعني، بعد تخرجي بعام واحد وحصولي على شهادة الماجستير في علم النفس التربوي، إلى تأسيس مركز نحلة، المتخصص في رعاية وتأهيل أطفال التوحد، واضطرابات التعلم". تتابع سعد، وهي من سكان العاصمة بغداد: "كان لا بدّ لي من مشروع أعتمد فيه على نفسي، بعدما أرهقت تكاليف الدراسة أسرتي. مشروعي هذا كان بتمويل ذاتي، إذ لم أحظَ بأيّ جهة داعمة. نستقبل في المركز خمسين طفلاً من عمر عامين إلى عمر 12 عاماً، ويقدم الرعاية لهم مجموعة من الاختصاصيين وذوي الخبرة، سواء في الرعاية أو في التأهيل والتدريب".

تضيف: "عملي هذا جعلني أثق بنفسي كثيراً وأهيئ فرص عمل لعشرين شخصاً آخرين، من المدربين وسائقي باصات نقل التلاميذ، إذ يشمل المركز أقساماً عدة، منها: قسم طيف التوحد، والقسم التعليمي، وقسم رعاية أطفال متلازمة داون، وغيرها. وفضلت أن يستقبل المركز أطفال الأسر المتعففة والأيتام من دون أيّ كلفة مالية. وبذلك، يتكفل المركز بجميع مصاريفهم". وتعلق: "أتطلع حقاً إلى تغيير واقع الشباب والخريجين، فهم يحتاجون إلى الحصول على وظيفة بعد مشوار من الدراسة والتعب، لكن ليس عليهم أن ينتظروا التوظيف بل المبادرة بأنفسهم إن توفر ذلك لهم".



وكان وزير العمل والشؤون الاجتماعية، عادل الركابي، قد أعلن، في مايو/ أيار الماضي، أنّ العدد الحقيقي للعاطلين من العمل في العراق قد يصل إلى أربعة ملايين شخص. وأشار إلى أنّه في قاعدة بيانات الوزارة جرى تسجيل مليون و400 ألف شخص كعاطلين من العمل، فيما الباقون لم يسجلوا أسماءهم في سجلاتها.

من جهتها، تقول رنا كاظم، صاحبة مشروع "مطبخ أم عبد الله الجبوري" لـ"العربي الجديد": "تخرجتُ من معهد إعداد المعلمات عام 2007 ولم أحصل على وظيفة حكومية، بالرغم من كوني من بين العشرة الأوائل في دفعتي. وفي عام 2014، أي بعد سبعة أعوام من تخرجي، بدأت العمل في مشروع الطبخ، فبعت مصاغي الذهبي، لأجهز أول طلبية. معاناة وأزمة مالية رافقتاني في بداية عملي، لكن اليوم صار لمشروعي زبائن كثيرون في بغداد وبقية المحافظات.

زبائني الذين أحبوا أكلاتي متنوعون؛ من الفقير حتى الوزير، فقد كان والدي رحمه الله يعمل طباخاً لدى الأمير عبد الإله ورئيس الحكومة نوري السعيد، في موانئ البصرة عام 1950، وبعد تقاعده عن العمل، عمل في أحد فنادق بغداد المشهورة، وكان يدرب طلاب معهد السياحة والفندقة على مهنة الطبخ، فتعلمت هذه المهنة بشغف، وساعدني والدي وأسدى لي النصائح المهمة وذلك ما جعلني أختار الطبخ مشروعاً خاصاً بي. ثم فتحت صفحة على موقع "فيسبوك" ورحت أروج للأكلات التي أطبخها، والطلبيات التي أجهزها. وطلبت من صديقاتي دعوة أهلهن وأقاربهن إلى تسجيل الإعجاب بصفحة الطبخ ومشاركة منشوراتها، حتى بدأ العدد يزداد شيئاً فشيئاً".



تتابع كاظم: "تحدث كثيرون عن طبخي أنّه لذيذ ونظيف ولا يعلى على نكهته، فدفعتني مثل هذه الكلمات إلى التمسك بمشروعي أكثر. وفي عام 2015 تلقيت دعوات للمشاركة في مهرجانات ومعارض وبازارات، لتقديم أكلاتي. كنت خائفة في أول بازار (سوق شعبي) لكنّي نجحت وبعت كلّ ما قدمت من أطباق، وفرحت كثيراً، خصوصاً أنّني أعددت جميع الأكلات بنفسي داخل مطبخ صغير في الطابق العلوي من بيت أهل زوجي حيث أسكن، وبمعاناة الحصول على مواد الطبخ في كثير من الأحيان. تعبي كلّه لم يضِع، فقد بدأت العروض والمشاركات تزداد، وحتى القنوات الفضائية تستضيفني". تتابع كاظم: "أتمنى أن يكون لي مكان خاص بعملي أجهز فيه الطلبيات وأن تعمل معي نسوة من الأسر المتعففة ليكون لهن ولأسرهن مصدر رزق، بدلاً من انتظار المساعدات. كذلك، أوجه نصيحة لكلّ النساء، والخريجات علـى وجه الخصوص، أن يعتمدن على أنفسهن في كلّ شيء وأن يعملن بأعمال شريفة ومستورة ليعنّ أنفسهن وأن لا ينتظرن الوظيفة، فقد ينتهي العمر دون أن نحصل على الوظيفة.

وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قد أكدت العام الماضي أنّ عدد حاملي شهادات الدراسات العليا (ما بعد التخرج) الذين يطالبون بالتعيين بلغ نحو 15 ألفاً، مشيرة إلى أنّ تعيينهم بشكل كامل يتطلب خطة تتم عبر ثلاث سنوات، إذ خرج آلاف من حاملي الشهادات العليا هؤلاء في يوليو/ تموز 2019، في تظاهرات، مطالبين بتعيينهم في وظائف حكومية.

المساهمون