عبد القادر بن سعيد: قراءات هواة "فاوست"

05 نوفمبر 2015
الصورة
(من المسرحية)
+ الخط -

في "فاوست"، ثمّة تحدٍّ مزدوج وضعه المسرحي والشاعر التونسي عبد القادر بن سعيد، دراماتورغ ومخرج المسرحية، حين اختار أحد أكثر النصوص إشكاليةً في تاريخ المسرح، وذهب إلى تجسيده بممثّلين هواة.

يقول في حديثٍ إلى "العربي الجديد": "أشتغل منذ سنوات على مسرح الهواة. ومن خلاله، أخرجت مسرحيّات كلاسيكية؛ مثل "عطيل" و"أنتيغون" ثم "فاوست"، وأستعد لإنجاز مسرحية "الملك لير" لـ شكسبير". يضيف: "أنظر إلى مسرح الهواة كمسرح أمّ، فكل محترف كان في بداياته هاوياً، ولا بد أن يظل في داخله ذلك المخرج أو الممثّل الهاوي الذي يحمي البعد الفني من الصنعة التي تتراكم بمرور الأعمال".

يرى بن سعيد أن الاشتغال مع الهواة يعيد المسرح إلى منابعه. يقول: "يتحوّل ما نقدّمه إلى عمل فني وتعليمي في الوقت نفسه، إذ نعيد الحديث عن تاريخ المسرح وبداياته ودوره، ونطرح أسئلة من قبيل: لماذا المسرح؟ وأيّ مسرح ننجز؟ إنها عملية مخبرية متجدّدة". يضيف "هذا يعود بنا إلى فكرة أن المسرح لعبٌ وليس تمثيلاً. أهدف إلى عدم السقوط في التمثيل".

من منظور ثانٍ، يقول بن سعيد: "من نسمّيهم بمسرحيين هواة، هم نماذج اجتماعية متعدّدة. نحن بذلك نمسّ قلب المجتمع، الإنسان الذي يتحرّك على الأرض يومياً". يُشار هنا إلى أن مجسّد شخصية فاوست، سليم العياري، مهندس معماري، أمّا مجسّد شخصية مافيستوفيليس، اسكندر المالقي، فهو موظف حكومي.

عن تجسيده لدور فاوست، يقول العياري: "كشفت لي قراءة المسرحية بالعربية والفرنسية اختلافات في الترجمة، والتي تمثّل اختلافات في القراءة. احتاج دور فاوست الكثير من العمل الفكري والجسدي، وقد وجدت تشابهات مع نفسي، رغم أن غوته لم يكتبها لممثّل تونسي".

وعن بناء الشخصية، يقول: "ساعدتني الكتابة. لقد وضعت كرّاسة بعنوان فاوست دوّنت فيها ملاحظات من تفكيري الشخصي وأحاسيسي. هناك الكثير من الأشياء في الدور جئت بها من عملية الكتابة نفسها وتخيّل الشخصية".

يشير المخرج أنه لا وجود لبطولة مسبقة في مسرح الهواة، وقد كان اختياره لمن سيؤدي شخصية فاوست مبنياً على تقبّل عناصر المجموعة التي اشتغل معها للنص الذي صاغه باللهجة التونسية.

يقول: "النص الأصلي ذهنيّ ومعقّد. ربما استفدت من الشعر، كون النص مكتوباً بلغة شاعر، كما استفدت من إعجابي بنظريات المسرح الألماني الذي يتبنّى فكرة الاقتصاد في الحركة وفي الديكور، وهو ما يدفع إلى مزيد من الاشتغال على الداخلي والنفسي".

عادة ما تنتظر مسرحيات مثل "فاوست" متفرّجاً عارفاً بالحبكة الأصلية وبخلفيات عن المسرح العالمي، وهو ما يلاحظه بن سعيد حين يقول: "هناك كثيرون يخرجون من المسرحية ويقولون لم نفهم، وآخرون يحاولون التقاط أفكار من دون أن يكون في ذهنهم نص مرجعي، كل هذا مرحّب به بالنسبة إليّ. في كل الحالات، من المهمّ أن يتذوّق المتفرّج العمل ويقدّم قراءاته، وليس ذنبي أن المتفرّج لم يقرأ غوته أو شكسبير أو لم يسمع عنهما. دوري هو تقديم مسرحية، قد لا تعجب حتى المثقّفين الذين يعرفونها مسبقاً".

يتابع: "حدث في بعض العروض أن شوّش الحاضرون على العرض، حين لم تعجبهم بعض الأفكار المطروحة. هذا مهمّ بالنسبة إليّ. إنه جزء من العمل المسرحي وتحدياته. في النهاية، لا يريد المسرح احتواء المتفرّجين بل يدعو إلى انفعال حقيقي".

هنا، يفتح بن سعيد على أسباب اختياره للمسرحية: "لقد استدعاها زمن يأتينا فيه من يقول "هنا الخير وهنا الشر" وبعضهم يدّعي أنه يحب الله أكثر من غيره. اعتقدت في لحظة ما بأن الدكتور فاوست هو العلاج لظواهر كهذه، فالمسرحية تقول إن الشيطان يتجوّل في أكثر الأماكن قداسةً".

يتابع "فاوست، في النهاية، مسرحيةٌ تقع داخل الإنسان، يمكن أن نتخيّلها من دون شخصيات، فالمُثل والشيطان والرغبات موجودة في شكل شخصيات فيها، وهي موجودة كعلاقات وتجاذبات في النفس البشرية".


اقرأ أيضاً: بشرى ويزغن: مغامرة أُخرى لشيخات العيطة

دلالات