عبد القادر بن دعماش: أصوات من الذاكرة الشعبية

29 سبتمبر 2015
الصورة
فرقة موسيقية جزائرية شعبية (1949)
+ الخط -

في مسقط رأسه، مزغران، من محافظة مُستغانم (غربي الجزائر)، يتناقل الناس، بشيء من التقديس، التقاليد التي أرساها مؤسّس "الشعر الملحون"، الشاعر لخضر بن خلوف منذ القرن السادس عشر، والذي اشتهر بقصائد المديح النبوي، وقصيدته عن "معركة مزغران" (1558) ضد الإسبان، والتي شارك فيها.

هكذا، بدأت علاقةُ عبد القادر بن دعماش (1949) بالفن منذ طفولته؛ حيث وُلد وعاش في بيئة تُولي الشعر والموسيقى عنايةً خاصّة: "عشتُ مع جدّتين فنّانتَين. وقد ترسّخت في ذاكرتي أجواء تأديتهما لقصائد في المديح النبوي".

خرّيج "المدرسة العليا للإدارة" في الجزائر العاصمة، بدأ مسيرته الفنية مؤدّياً لـ"أغنية الشعبي"؛ وهي نوع موسيقي دارج في العاصمة أكثر من غيرها، كانت كلماته تنحصر في المديح النبوي قبل أن تنفتح على مواضيع أخرى. غير أنه سُرعان ما توقّف عن الغناء، بعد أن قدّم عدداً من الأعمال. يقول في حديثه إلى "العربي الجديد": "لم أحترف الغناء، بل كنتُ هاوياً. لكن وضعية الفنان في الجزائر لم تُشجّعني على الاستمرار".

خلفيته الإدارية وثقافته الفنية، جعلتاه يتولّى عدداً من المناصب الإدارية القريبة من اهتماماته؛ أبرزها في وزارة الثقافة، خلال الفترة الممتدّة بين عامي 1983 و2003. إلى جانب عمله الإداري، اشتغل في بعض الصحف، كـ "المجاهد" و"الجمهورية"، وفي الإذاعة والتلفزيون الجزائريَّين؛ حيث قدّم برامج تُعنى بالشعر والموسيقى؛ منها "أنغام أندلسية" على إذاعة وهران بين عامي 1969 و1970 و"مايا وحْسين" على القناة الإذاعية الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية، من 1989 وحتّى 2009.

"مايا" و"حْسين" هما طابعان في الموسيقى الأندلسية التي تحتوي 24 طابعاً أو "نوبة"، يشرح بن دعماش عنوان برنامجه، مضيفاً: "يُؤدَّى المايا في الصباح والحْسين في المساء. فلسفة الموسيقى الأندلسية تقوم على مرافقة الإنسان طيلة ساعات يومه. ومن خلال هذا العنوان، أردت أن أقول إن الموسيقى هي الحياة".

خلال عقدين من عمر البرنامج، تناول الباحث الكثير من الموضوعات والقضايا المرتبطة بالفن والموسيقى والشعر والشعراء في الجزائر؛ منقّباً في الموروث الموسيقي والفنون التقليدية، وباحثاً في سِير عدد من الشعراء والفنانين.

هذه التجربة كانت قاعدةً لعمله البحثي الذي سيُتوّج بموسوعة "الأسماء الخالدة للفن الموسيقي الجزائري" ("منشورات كريستال برينت"، 2009) التي صدرت ضمن ثلاثة أجزاء، تناول كلّ واحد منها سير 75 شخصية شعرية وموسيقية جزائرية من القرن الثامن عشر حتى اليوم، في انتظار جزئها الرابع الذي يُنتظر صدوره نهاية العام الحالي.

يقول بن دعماش إنّ عمله الإعلامي كان الدافع الأكبر لخوض مجال التوثيق والتأريخ الموسيقيَّين: "اكتشفتُ أشياء كثيرةً، واكتسبتُ خبرة كبيرةً في التعامل مع المعلومة؛ بدءاً بمرحلة البحث، وصولاً إلى التوثيق. أفعل ذلك مُقتنعاً بأهميّة حماية الموروث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة".

إضافة إلى موسوعة "الأسماء الخالدة"، أصدر بن دعماش أكثر من عشرة كُتب أخرى؛ منها ''حياة وأعمال الشيخ عبد الكريم دالي''، و''كل أعمال بودالي السفير مجتمعةً''، و"تاريخ مستغانم"، و"المهمّ في ديوان الشعر الملحون''، و"الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني (1958 - 1962)"، و"محبوب باتي، الفنان والأسطورة"، إضافةً إلى كتب أُخرى تحت الطبع؛ منها كتاب عن المطرب الشعبي الراحل محمد الباجي.

يتضمّن كلّ كتاب من كتب السيرة شهاداتٍ وصوراً وقصائد عن الشخصية موضوع البحث، والتي يستمدّ بن دعماش المعلومات عنها من المصدر، حيث يعتمد غالباً على العمل الميداني الذي يقتضي التنقّل إلى مدينة أو قرية الفنان.

هنا، يذكر بحثه عن الممثّل المسرحي الراحل محمد التوري، الذي تطلّب زيارة مسقط رأسه في محافظة المدية من أجل الالتقاء بأفراد من عائلته والتأكّد من لقبه، وكذلك المطربة الشاوية الراحلة بقّار حدّة، التي سافر إلى قريتها مشروحة في محافظة سوق أهراس، وعاد منها بقصص غير معروفة من حياتها. هذا البحث الدؤوب، مكّنه أيضاً من جمع رصيد من الأسطوانات الأصلية والنادرة لعدد من الموسيقيين الجزائريين.

فضلاً عن قيمته الجمالية، يرى بن دعماش في الشعر الشعبي وسيلة للتعرّف على التاريخ، حيث "وثّق الكثير من الشعراء أحداثاً ما كانت لتصلنا لولا قصائدهم". أمّا الموسيقى الجزائرية، فيعتبر أنها حقّقت الكثير خلال القرن العشرين؛ مستشهداً بالنجاح الذي حقّقه عدد من الفنانين الجزائريين في عواصم أجنبية، مثل الشيخ حمادة وأحمد وهبي وسلوى ونورة وإيدير ورابح درياسة ودحمان الحرّاشي، مضيفاً أن "الأغنية الجزائرية تتميّز بملامستها لانشغالات الناس وبساطة كلماتها التي تعكس بساطة ووضوح الجزائري نفسه". أمّا عن راهنها، فيقول "إنها تعيش فترة من الركود والانحدار، قد تكون فترة عبور لمرحلة جديدة من الإبداع".

يصف بن دعماش نشاطه في مجال التأريخ الموسيقي بأنه "قطرةٌ في محيط"، مضيفاً: "ثمّة جهودٌ يبذلها بعض المهتمّين تُضاف إلى عمل وزارة الثقافة التي تُبدي، في السنوات الأخيرة، اهتماماً كبيراً بالتراث اللامادي، من خلال العديد من المهرجانات والنشاطات التي تُسهم في الحفاظ على الذاكرة الثقافية الجزائرية وحماية الموروث الثقافي من الاندثار".

مدفوعاً بمشاهداته للوضعية المزرية التي كان يعيشها عددٌ من الفنانين الكبار الذين التقى بهم خلال أعماله الميدانية، والتي كانت السبب في ابتعاده عن ممارسة الفن مبكراً، خاض بن دعماش، إلى جانب أسماء أخرى، نضالاً مستمرّاً من أجل سنّ قانون خاصّ بالفنّان يضمن الاعتراف به وتوفير الحماية الاجتماعية له.

في 2012، وبهدف حماية الفنانين والأدباء من الناحيتين المعنوية والاجتماعية، أنشأت الحكومة الجزائرية "المجلس الوطني للآداب والفنون" الذي ضمّ عدداً من الأسماء الفنية والثقافية، وأُوكلت رئاسته إلى بن دعماش نفسه.

ظلّ المجلس يعمل طيلة أشهر بدون مقرّ، قبل أن يحصل مؤخّراً على مكتب صغير في "المكتبة الوطنية". خلال هذه الفترة، صدر قانون يكفل لأوّل مرّة الرعاية الاجتماعية للفنانين.

يقول بن دعماش: "لفتني أن الفنانين في الجزائر لا يملكون ضماناً اجتماعياً، وكثيرٌ منهم عانوا من المرض من دون أن يستفيدوا من الرعاية الصحية. أكثر من ذلك، ظلّ الفنان، والمبدع بشكل عام، غير مُعترف به طيلة خمسين سنة، وصدور القانون يمثّل إنجازاً تاريخياً".

منح المجلس حتّى الآن 1500 بطاقة لفنّانين وكتّاب؛ رقم ذكره بن دعماش بنبرة من التفاؤل، قبل أن يضيف: "لكن الطريق لا يزال طويلاً".


اقرأ أيضاً: رشيد غُلام.. من منافذ أُخرى

المساهمون