طرفٌ من حكايتي مع "الفويس ميل"(2 من 2)

21 فبراير 2019
حين دخلت إلى القاعة التي قيل لي إن الدكتور صفوت حجازي موجود فيها، وجدت في مدخلها كلاً من الدكتور حسن نافعة والدكتورة منى مكرم عبيد والكابتن نادر السيد والمستشار محمد فؤاد جاد الله، والذين اتضح أنهم جاؤوا مثل حالاتي على أساس التعارف والجلوس للتفكير فيما يمكن عمله لإيجاد آلية يتحدث من خلالها الفرقاء الذين جمعهم الميدان قبل أن تقضي الاختلافات المتزايدة على "روح الميدان" التي زهقت وطلعت إلى بارئها مع أجواء استفتاء مارس اللعين، وقبل أن يتواصل حوارنا المتعثر بسبب إحاطتنا بعدد من الصحفيين وجدنا من يدعونا للدخول إلى القاعة التي سبقنا إليها الدكتور صفوت وآخرين كان من بينهم الدكتور محمد البلتاجي والدكتور سيف عبد الفتاح والدكتور خالد عودة، لكي نحضر مؤتمراً صحفياً قصيراً سيتم فيه الإعلان عن بدء تأسيس هذا الكيان.

 

لم يكن إدراك غضبي وارتباكي عصياً على أحد الشباب المشاركين في التنظيم، والذي كنت أكن له مودة وتقديراً كبيرين بعد ما شاهدته من شجاعته في جمعة الغضب، وما أعقبها من أيام الميدان الذي كان ذلك الشاب الجميل من أنشط الفاعلين في اللجنة المنظمة له، ولذلك انتحى بي جانباً، وبعد أن شرحت له موقفي سريعاً، قال إن المؤتمر الصحفي لن يقدم ما هو أكثر من الإعلان الشكلي عن إطلاق أعمال التحضير للكيان الذي سيُدعى كل من شاركوا في الثورة إلى التفاعل معه، عبر آليات ستتم مناقشتها فيما بعد بالتفصيل، وأنه لا يوجد سوء نية فيما حدث بقدر ما يوجد سوء تخطيط بسبب تلاحق الأحداث وتضاعف الأخطار المحيقة بالثورة، وأن الانسحاب الغاضب أو الانسحاب المفاجئ بعد الحضور أمام الكاميرات، سيتم استغلاله بشكل سلبي يضر بصورة الثورة أكثر مما ينفع، وربما وجد من يصوره على أنه خلافات على مواقع لا وجود لها في الأساس، وأنه سيتم في بداية المؤتمر الإعلان بوضوح عن عدم وجود كيان يحق له أن يحتكر الحديث باسم الثورة أياً كان المشاركون فيه، وهو ما قيل بالفعل وتكرر في العديد من الكلمات.


وربما لأنني كنت في قمة الحرج والارتباك، فقد وجدت كلام الشاب العزيز على نفسي معقولاً، وشعرت أن أقصى ما يمكن فعله بعد هذه التوريطة، أن أوجه في كلمتي القصيرة تحية للشهداء والجرحى، وأن أكرر كلاماً أغضب كثيرين حين قلته في مناسبات سابقة وتالية، وهو أنه لا ينبغي المبالغة في تصوير أن الثورة شارك فيها الشعب المصري بأكمله، فقد كانت ثورة أحرار المصريين المقتنعين بمبادئها وأهدافها منذ البداية، وأنها لم تكن تحظى في أي وقت من أوقاتها برضا جميع المصريين، ولذلك من المهم أن يتم الحديث مع من لم يقتنعوا بالثورة ولم يتفهموا مطالبها بلغة يفهمونها بعيداً عن المبالغات الحماسية، كما تحدثت أيضاً عن أهمية عدم الاستعانة بما يتم ترويجه من شائعات أو خطابات عاطفية عن مبارك وكونه في غيبوبة وقد يتوفى في أي لحظة، للإفلات من ضرورة محاكمته على جرائمه المتعددة وآخرها جريمة قتل المتظاهرين بعدها لم أطل البقاء في المكان بعد انتهاء المشاركين من إلقاء كلماتهم، واعتذرت عن لقاء مصغر كان قد دُعي إليه في أحد قاعات الساقية، ثم غادرت المكان. 

لم أكن أعرف أن خازوقاً أكبر ينتظرني أنا ومن تم توريطهم في ذلك الكيان العجيب الحاضر منهم والغائب، فقد قام الدكتور صفوت أو أحد مساعديه ـ الله أعلم ـ بطباعة أوراق فيها تشكيل المجلس الذي أعلنه من تلقاء نفسه، ووضع إلى جوار اسم كل عضو موقعه الذي لم يستشره أحد فيه ورقم هاتفه المحمول، ليتم توزيع تلك الورقة على أوسع نطاق بل ويتم نشرها على الإنترنت بعد ذلك، ولك أن تتخيل حجم المكالمات التي انهالت علي في الأسابيع التالية على ذلك، والتي كان أغلبها يسأل عن أشياء لا علاقة لها أصلاً بالمهام التي ذكرت في البيان الذي يعلن أهداف الكيان، بوصفه تجمعاً للحوار بين الفرقاء السياسيين بشكل يحافظ على الروح التي كانت موجودة في ميدان التحرير، وهو ما لم يكن له أثر على الإطلاق في مكالمات مئات المتصلين الذين تعاملوا مع ذلك الكيان العجيب بوصفه حكومة الثورة التي تمتلك تأثيراً ونفوذاً يمكنه من رد المظالم وتلبية المطالب وتحقيق الأحلام، في وقت لم يكن الفريق أحمد شفيق قد رحل عن منصبه أصلاً.  

 

وحين كنت أرد على المتصلين العشمانين أو المحتقنين، نافياً وجود أي صفة رسمية للمجلس الذي أعطته الصحافة أكبر من حجمه بكثير، ونافياً علاقتي المباشرة بأعماله ومهامه، ومؤكداً أن هناك سوء فهم في المسألة برمتها يهمني أن أقوم بتوضيحه للمتصل الكريم، كان المتصل الكريم يبدأ الرد عادة على كلامي بعتاب مهذب لأنني أتهرب من حل مشكلته وأزمته، ويقول إنه كان يتعشم في خيراً لأنني قمت أصلاً بالرد على مكالمته، على عكس الأستاذ محمود سعد، الذي اتضح أنه كان أذكى مني فقام بتغيير رقمه بعد أول يوم حلت عليه فيه بركات المجلس اللعينة، وحين كنت أرد على من يعاتبني أو يؤتِّتني بأنني لا أملك سوى التضامن مع مشكلته وأزمته بالنشر في مقالي اليومي الذي كنت أكتبه في صحيفة (المصري اليوم)، والذي اضطررت لأن أخصص قسماً ثابتاً منه لنشر الشكاوى التي تصلني، كنت أفاجأ غالباً بتغير لهجة العتاب إلى لهجة غاضبة يكتفي صاحبها أحياناً بعبارات منطقية من نوعية "وهو النشر كان عمل لنا إيه قبل كده لما هيعمل دلوقتي؟"، ويتجاوز آخرون أحياناً إلى تلميحات عن الشقق والفيلات والأراضي التي كان الحزب الوطني يوزعها على محاسيبه، ويبدو أن "بتوع الثورة" سيقومون الآن بوراثتها وتوزيعها على أقاربهم ومحاسيبهم، بل وكان غضب البعض الآخر يصل أحياناً إلى طعن بالتلقيح أو التصريح في الأعراض والذمم، يتطور إلى لعن لسنسفيل الثورة التي خربت البلد ولم تحقق أهدافها، أو إلى شتائم "أبيحة" كنت أرد عليها بمثلها أحياناً، وأكتفي في أحيان أخرى بالتجويد بما هو أقذع وأضل. 

ولأنني لم أكن أستطيع تغيير رقم موبايلي، الذي كان المنفذ الوحيد لعملي، وكان تغييره يشبه في تبعاته قرار تغيير عنوان مكتب أو منزل، فقد وجدت أن بديلي الوحيد للهروب من الجحيم الذي عشته على مدار أسابيع، هو أن ألجأ إلى البريد الصوتي فأقوم بتحويل كل ما يردني من مكالمات إليه، ولكي أساعد أصدقائي على التكيف معه بشكل صحي، وضعت لهم "كول تون" يفترض أن يمتص استفزاز أي عاقل سليم الوجدان، ألا وهو مطلع أغنية (يا دنيا يا غرامي) بصوت مطرب الملوك والأمراء والثوار والجلادين محمد عبد الوهاب، ليبدو لي من أول يوم قمت فيه باتخاذ ذلك القرار الصعب أنني كنت محقاً في اتخاذه، مهما جلب لي من اتهامات بالعنطزة والتكبر على خلق الله، ومهما أطاح بفرص عمل مرجوّة، لأنني تمكنت على الفور من استعادة كثير من ساعات اليوم التي كانت تنقضي في الشرح والتبرير والنقاش والخناق، بشكل بدأ يؤثر على قدرتي على القراءة والكتابة، فضلاً عن تأثيره على تواصلي الإنساني مع الأقربين الذين هم أولى بالمعروف، وسرعان ما ساعدني صديقي الجديد على تنظيم ما أتلقاه من مكالمات، وسهّل عليّ الوصول لبعض أصحاب المشاكل التي يمكن أن أساعد فيها بالنشر من خلال ما أكتبه، وكان النشر عن بعضها مجدياً بحمد الله، وفي أغلبها لا قيمة له ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما أنني اكتشفت أن لقرار اللجوء إلى البريد الصوتي فائدة عظيمة هي التهرب من طلبات الظهور في البرامج التلفزيونية والإذاعية، قائلاً فيما بعد لمن ألتقي بمقدميها ومعديها من الأصدقاء إنني بالتأكيد لم أستمع إلى رسائلهم التي يحذفها البريد الصوتي فور امتلائه دون تدخل من صاحبه، وهي معلومة كانت تنطلي على حديثي العهد باستخدام البريد الصوتي منهم، وقد كانوا الغالبية العظمى بحمد الله، وكانت تلك فرصة لاختبار جدية صداقتهم وخلوها من المنافع والأغراض.   

ثمة فائدة عظيمة أخرى أسداها إلي البريد الصوتي وهو أنني أصبحت مع الوقت أستمتع بفكرة امتلاكي لرسائل صوتية مسجلة بأصوات السيدة فاتن حمامة وست الكل عبلة كامل والأخوال والأعمام عبد الرحمن الأبنودي وعلاء الديب وأحمد فؤاد نجم وعادل إمام وصلاح السعدني وعمار الشريعي وعدد من الذين أحبهم من أساتذتي وأصدقائي الكبار، وكنت كأي معجب ولهان، أظل أستمع إلى رسائلهم مراراً وتكراراً حتى تختفي من ذاكرة البريد الصوتي قصيرة الأجل، لتترك المكان لرسائل جديدة، كان بعض هذه الرسائل محايداً جداً، يحتوي فقط على اسم المتصل مصحوباً بعبارة قصيرة للغاية مثل: "أهلاً يا أستاذ بلال، يا ريت من فضلك تكلمني لما تسمع الرسالة"، ولأن تلك العبارة القصيرة والعادية كانت بصوت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة شخصياً، فلم يكن غريباً أن أظل أسمعها عشر مرات متوالية، ومثلها متقطعة، حتى لو كنت قد اتصلت بالسيدة فاتن أو قابلتها بعدها. 

على العكس لم تكن رسائل الخال عبد الرحمن الأبنودي غفر الله لي وله تقليدية أو تقريرية، فقد كان يعيد في كل رسالة كتابة مطلع أغنية أو قصيدة مثل: "يابلالاً مال عنا واحتجب.. يابلالاً زرت يوما أيكه.. يا بلال يا مثال الوطنية" وأشياء لطيفة من هذا القبيل، أما العم صلاح السعدني متعه الله بالصحة والعافية فقد كانت أغلب رسائله أصواتاً يصل معناها إلى المستمع طبقاً لطريقة نطقها مثل "هااااه" أو "هممم" أو "عممم"، ونادراً ما كان يترك رسائل مفصلة يستغرب فيها من عدم ردي الاتصال، معبراً عن دهشته من نومي المتأخر بعبارات من نوعية: "ما فيش حد بينام لوقت زي ده إلا نبيلة عبيد"، أما عمنا أحمد فؤاد نجم عليه ألف رحمة ونور فقد كان يطيب له دائماً أن يبدأ رسائله بكحة طويلة مصحوبة بسحبة بلغم أو بشخرة قصيرة، يتبعها بشتائم ودودة تتنوع حسب المزاج، دون أن يؤكد على أهمية الاتصال به في أسرع وقت، لأنه يعرف أن ذلك لا يحتاج إلى توصية. 

وبرغم البهجة التي كانت تمنحها لي كل تلك الرسائل الصوتية، إلا أنها لم تكن تقارن بالبهجة التي أحصل عليها، حين أستمع إلى رسالة تلقائية وجدت طريقها إلى البريد الصوتي بالخطأ، حاملة معها رأي صاحبها الحقيقي في شخصي، لأنه لم يعرف أن كلامه كان يتم تسجيله بعد سماع الصفارة، خصوصاً أن فكرة البريد الصوتي ظلت محدودة التداول لفترة، والطريف أن كثيراً من تلك الرسائل التلقائية كان يعلق على أغنية عبد الوهاب إما بالاستحسان لها أو بالاستغراب منها أو بعبارات تلقائية من نوعية "رايق قوي ابن الوسخة"، وبالطبع لا يتسع المقام لذكر قائمة كاملة بتلك الرسائل التلقائية متنوعة الأشكال والأطوال و"التونات" والمشاعر، لكنني سأذكر لك فقط أكثرها إضحاكاً ودرامية، والتي حرصت على توثيقها كتابة قبل أن يحذفها "الفويس ميل" لتظل في ذاكرتي إلى الأبد، بوصفها مصدراً للبهجة والمعرفة والتذكير بجوهر الحياة في نفس الوقت.  

بدأت تلك الرسالة كما تم تسجيلها على البريد الصوتي هكذا: 

(صوت أجش: آلو، آلو 

صوت آخر: هاه، رد عليك؟ 

الصوت الأجش: مش عارف إيه الحكاية، بعد ما الغنوة خلصت، بيقول اترك الرسالة بعد سماع الصفارة 

الصوت الآخر: طب سمعت الصفارة؟

الصوت الأجش: مش عارف، (أح##) هو الخط فتح كده واتحسبت مكالمة ولا إيه؟ هو يعني بـ (ك#) أمه ما بيردش ليه على طول؟ 

الصوت الآخر: طب اسأل الواد علي كده هو بيفهم في الحاجات دي. 

الصوت الأجش: ياعم انت واقف بعيد وسايبنا ليه، هو إنت مش ليك في (ك#) أم المصلحة دي معانا برضه؟

صوت ثالث غاضب: في إيه يا سي خ### ماتهدا علينا

الصوت الثاني: أصله ما ردش عليه وقاله سيب رسالة بعد سماع الصفارة

الصوت الثالث: يبقى البيه بسلامته مشغل بريد صوتي، طب سبت له رسالة؟ (بدا من كلامه ونبرات صوته أنه أكثرهم خبرة ببواضن الأمور)  

الصوت الأجش: ماهو قالي أسيبها بعد سماع الصفارة، بس أنا ما سمعتش صوت صفارة 

الصوت الثالث: خد بالك عشان ممكن يكون بيسجل كل ده

الصوت الثاني: (أح#).. بجد؟

الصوت الأجش (مرتبكاً): لا ياعم قلت لك ماسمعتش صوت صفارة.  

الصوت الثالث: طب مستني إيه اقفل وكلم (ك#) أمه تاني، وأنا هاقولك تعمل إيه بعديها، وابقى تف عليّا لو عبّرك من أصله طالما حاطط بريد صوتي ابن (مت###) بس خلي بالك الرسالة دي هتتحسب بتمن مكالمة". 

وبعد قليل جاءتني رسالة جديدة من المتصل الكريم نفسه كان نصها كالآتي: 

"صوت همس: يالله اتكلم اتكلم 

الصوت الأجش متأدباً متودداً: سلام عليكم ورحمة الله، إزيك يا أستاذ بلال أنا واحد من أشد المعجبين بيك وباشوفك في البرامج وربنا يزيدك ويكرمك، أنا جبت رقمك من عالنت، من صفحة مجلس كيادة الثورة. أنا طبعا مش هاقدر أقولك على المشكلة اللي أنا عايزها إلا لما أكلمك. أنا هاكلم حضرتك كمان ساعة، وياريت ترد علينا عشان إحنا بإذن الله عشمنا كبير في حضرتك. 

(بعد صمت) هاه.. أعمل إيه دلوقتي، أدوس على الشباك ولا اعمل إيه؟ 

صوت همس: اقفل يا عم اقفل، شكله مش هيرد خالص بـ (##) أمه".