ضغط اقتصادي دولي على تونس بأهداف سياسية... والشاهد مهدَّد

21 مارس 2018
تقف النهضة إلى جانب الشاهد (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
جاء اتفاق الخصمين التقليديين في تونس، الاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة رجال الأعمال من جهة، ورئاسة الجمهورية من جهة أخرى، حول ضرورة رحيل حكومة يوسف الشاهد، مفاجئاً في ظل مرور تونس بمرحلة فوضى سياسية سمتها الخلافات والانقسامات العمودية. وكشفت مصادر خاصة لـ"العربي الجديد"، أن "هناك أسباباً متعددة لهذه التغيرات السريعة والمفاجئة، تتداخل فيها الحسابات التي تلتقي حول ضرورة إعادة توزيع الأدوار"، مشيرة إلى أن "المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، ذكرت للمسؤولين التونسيين أن تونس لن تتمتع مستقبلاً بأي معاملة خاصة. وهو ما يقود إلى أن تعامل الصندوق مع الحكومة التونسية سيكون بالشروط النيوليبرالية للصندوق ومن دون مراعاة لأي وضع خاص، مع ضرورة تجميد الزيادة في الأجور ووقف التوظيف في عدد من مؤسسات القطاع العام، وتنفيذ بقية الإصلاحات الصعبة سريعاً.

وبدا أن الشاهد لا يملك إمكانية رفض هذه الشروط، ملمحاً إلى أنه "سيتم حصر التوظيف في عدد من الشركات العامة"، وهي رسالة وصلت إلى قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل، ما دفعها إلى المطالبة بتغيير الحكومة سريعاً، واستباق يوم الجمعة المقبل، موعد لقاء مسؤولي الصندوق بالحكومة التونسية. ووجّه الاتحاد بالتالي رسالة للصندوق وللحكومة معاً، مفادها بأن "التفاوض يتم مع حكومة سترحل قريباً وسيكون بالضرورة قابلاً للنقض أو التغيير، لأن القطاع العام بالنسبة للاتحاد خط أحمر، والزيادة في الأجور لا تراجع عنها خصوصاً مع تدهور القدرة الشرائية للمواطن التونسي". وطالب اتحاد الشغل بإطاحة مستشار الشاهد المكلف بالإصلاحات الكبرى، توفيق الراجحي (حركة النهضة) بوصفه المفاوض باسم الحكومة  مع المؤسسات الدولية، والمتهم بـ"مساهمته في تدهور هذا الوضع".

وكشف مصدر مطلع لـ"العربي الجديد"، أن "كثراً فوجئوا بتغيّر موقف صندوق النقد الدولي ورئيسته بخصوص تونس، وكأنه تم الضغط على زر سري"، مرجّحاً أن "يكون العامل الدولي تفسيراً لذلك، فالولايات المتحدة مشغولة بملفات أكثر تعقيداً وأولوية من تونس. وقد دعمتها وضمنتها في السوق النقدية العالمية مرات كثيرة في السابق، أما ألمانيا فمشغولة بأوضاعها الداخلية وتراجع حماستها تجاه تونس في الفترة الأخيرة. وهو ما أدى لعودة فرنسا للإمساك بالملف التونسي بالكامل، وهي ليست سعيدة بما يحصل في تونس".


في الإطار الفرنسي، بدا جلياً أن باريس غير راضية عن الوضع التونسي سياسياً، وعبّرت عن مخاوفها صراحة من إمكانية صعود الإسلاميين بقوة في الانتخابات البلدية العتيدة. كما أجرت استطلاعاً خاصاً لها جاء فيه أن "حركة النهضة قد تفوز بنسبة كبيرة من المقاعد تتراوح بين 53 و65 في المائة"، ملمحة إلى "إمكانية وقف التعاون مع تونس إذا تمّ هذا الأمر"، ما ينذر بتضييق الخناق على اقتصاد متعثر أصلاً.

واتضح أن فرنسا ليست الوحيدة المنزعجة من الوضع التونسي، فشاركتها دول عربية أيضاً كالإمارات والسعودية. ورأت باريس أن "السبب يعود إلى تعدد محاوريها من تونس، من الحكومة والرئاسة والبرلمان والأحزاب. ولم تعد هناك جهة رسمية واضحة تملك سلطة القرار يمكن التفاوض معها". لذلك لمّحت إلى ضرورة تغيير النظام الانتخابي والسياسي. كما أنه في تونس بوشر طرح الأمر علناً وأخيرا عبر عن ذلك رئيس حزب "مشروع تونس"، محسن مرزوق، المتهم بقربه الشديد من الإمارات، والداعي إلى "تغيير النظام الانتخابي والسياسي في تونس"، واصفاً حركة النهضة بأنها "حركة الاخوان المسلمين". وهو نفس التعبير الذي استخدمه سفير الاتحاد الأوروبي في تونس، الفرنسي باتريس بيرغاميني.

وعلى الرغم من أن النظام السياسي اشتكى بالفعل من صعوبات كثيرة، إلا أن طرحه في هذا التوقيت بالذات أثار أسئلة كثيرة، مع تلميح كثر إلى إمكانية طرح مبادرات تشريعية جديدة بهذا الخصوص في الأيام المقبلة. وظهر أن هذه المعطيات قد زادت من مخاوف جهات كثيرة في تونس، أصبحت تخشى من إمكانية تأجيل الانتخابات البلدية، المقررة في 6 مايو/أيار المقبل. وربما يشكّل تغيير الحكومة ذريعة لذلك، أو خلطاً للأوراق قبلها والتشويش عليها، بالإضافة إلى بروز مخاوف من إمكانية تزوير الانتخابات بعد قرار هيئة الانتخابات عدم الاعتماد على الحبر وتعويضه بمجرد التوقيع من طرف الناخبين، وهو ما رفضته أحزاب كثيرة في تونس.

أما الشاهد فيبدو أن الغضب كبير عليه، إذ يرغب اتحاد الشغل في تغييره حفاظاً على مكاسب العمال، ويرغب رجال الأعمال في تغييره انتقاماً من قربه من اتحاد الشغل سابقاً وتنكره لمنظمتهم، وترغب جهات كثيرة في "نداء تونس" أيضاً في تغييره لتنصله من الحزب وعمله بشكل منفرد. كما تدعو أحزاب كثيرة من المعارضة لحكومة كفاءات، ومن المعلوم أيضاً أن الرئيس الباجي قائد السبسي يرغب منذ مدة في تغيير الشاهد. وهو ما يعني أن الشاهد يقف بالفعل وحيداً مع تلاقي الجميع على إنهاء عهده، في انتظار التوقيت المناسب، على الرغم من وقوف "حركة النهضة" معه "احتراماً لنتائج انتخابات 2014 وعدم إرباك الانتخابات البلدية"، وفقاً لها، لكنها وقفة لن تدوم طويلاً.