صيف ساخن للدبلوماسية الفرنسية

23 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

كما هو منتظر، ومع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية الأولى سنة 2022، يسعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كمن سبقه من الرؤساء، إلى تعزيز حظوظه في تجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية. وأمام وضع اقتصادي متأزم، نتيجة السعي إلى فرض إصلاحاتٍ لاقت رفضاً من القوى العاملة، وتمخضّت عنها إضرابات واضطرابات كانت "السترات الصفراء" إحدى علاماتها، صمد ماكرون وحكومته، مع قليل من التنازلات، معتمداً على جذب اليمين التقليدي الى صفوفه، مما يعزّزها مقابل اليسار الفرنسي غير القادر على التآلف حتى إشعار آخر. وقد أتت الأزمة الوبائية الكونية، والتي أفضت إلى تراجعٍ هائلٍ في الدخل القومي، وضاعفت نسب البطالة، وأقفلت عدداً متزايداً يوماً بعد يوم من المؤسسات الصناعية كما السياحية كما التجارية، لتزيد طين الإليزيه بلّة، وتزيد من تعقيد ملف الإصلاحات المرغوبة من الرئيس وطاقمه الحكومي، ما دفع بهم إلى تأجيلها. 

نجاح دبلوماسي على المستوى الأوروبي شجّع ماكرون على المضي في محاولته الدفع بملفات عدة إلى واجهة الأحداث

وإثر الموجة الأولى من الوباء، والتي عالجتها الحكومة الفرنسية بشكلٍ لا بأس به عموماً، وحظي رئيسها إدوار فيليب بارتفاع ملفتٍ في شعبيته مقابل استمرار انخفاض شعبية الرئيس، قرّر ماكرون إجراء تغيير حكومي جذري، نتج عنه الاستغناء عن رئيس الوزراء، خوفاً من منافسةٍ تدفعه إليها أرقام استطلاعات الرأي. وفي مسعى إلى توسعة التحالفات مع مختلف الأطراف السياسية التي قبلت ماكرون رئيساً سنة 2017، تم إقرار زيادة عدد الوزراء ووزراء الدولة من 39 في الحكومة السابقة إلى 43 في الحكومة الجديدة التي كُلّف بترؤسها اليميني جان كاستيكس. وبمجرّد وصول هذا السياسي المغمور إلى الحكومة، عاد الخوف من اجتياح موجة ثانية من الوباء، استناداً إلى أرقام غير مطمئنة من الإصابات اليومية. 

مع بقاء الملفات الداخلية معلّقة بتطورات الجائحة الوبائية، ومدى القدرة على التخلّص منها أو تجاوزها، تم تسجيل تنفيذ الحكومة السابقة، كما الحالية، إجراءات صحية واقتصادية ناجحة نسبياً، على الرغم من بعض التخبط الذي اعترى بعض تفاصيلها. ومع اطمئنان الإليزيه إلى أن كاستيكس سيؤدي عمله دونما سعي إلى البروز، ومع حلول فصل الصيف، تحوّل اهتمام الرئيس ماكرون إلى تعزيز وجوده في إدارة الملفات الخارجية. وبدأ نشاطه بإنجاز كبير مرتبط بالوضع الصحي العالمي، وانعكاساته الاقتصادية على القارّة الأوروبية. ونجح، بمساعدة من المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في تحريك مشروع اقتصادي ضخم للدول 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، للدفع بعجلة الاقتصاديات الأوروبية المتضرّرة بمجموعها، والأكثر تضرّراً خصوصاً، كما إيطاليا وإسبانيا، مخصصين لذلك مبلغا يفوق الـ 750 مليار يورو. 

شكّلت كارثة الانفجار في بيروت فرصة استعراضية صادقة، أو مبالغا بها للرئيس ماكرون، ليقفز إلى مقدمة الدول المؤثرة في هذا الملف

نجاح دبلوماسي على المستوى الأوروبي شجّع ماكرون على المضي في محاولته الدفع بملفات عدة إلى واجهة الأحداث. وقد برز موقفه السياسي الصارم الداعم لليونان، والمعادي للسياسات التركية في شرق المتوسط، مع بُعدٍ عسكري تمثّل بتحريك قطعٍ بحريةٍ فرنسية. موقفٌ ارتبط أساساً بتوتر قديم له علاقة بمقاومة تاريخية فرنسية لأي حديثٍ عن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما يُعتبر التدخل الفرنسي في ليبيا لصالح قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعومة إماراتياً، مؤشرا إلى ملف صراع تركي/ فرنسي أكثر راهنية. وحيث تُدين فرنسا ما تعتبره تدخلاً تركياً، فهي تُغفل تدخلات القوى والدول الأخرى الصارخ، كما الإمارات وروسيا ومصر، وفرنسا نفسها. والتحدّي اللفظي القائم بين أنقره وباريس يؤثّر سلباً على علاقة باريس مع برلين، حيث تحافظ الأخيرة على علاقات هادئة مع تركيا، وتحسب كل الحسابات لأسباب عدة: العلاقة التاريخية بين البلدين، والتي تتخطى تاريخ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة. كما يعتبر وجود أكثر من ثلاثة ملايين تركي في ألمانيا مؤشّرا على بعد اجتماعي/ ثقافي في ملف العلاقات. وأخيراً، تفضّل السياسة الألمانية عموماً التفاوض الهادئ والذي يُقارب السرية، في حين تتميّز السياسة الخارجية الفرنسية في السنوات الأخيرة بأداء علني، والذي يقارب الاستعراض. 

ملف ملتهب أيضاً تواجهه باريس في لبنان، وتحاول ألا تسجل فشلاً فيه، وتسعى من خلاله للعودة بقوة إلى هذا البلد، والذي على الرغم من التأثير النظري للسياسة والثقافة الفرنسية فيه، إلا أن ملفه سحب من بين يديها منذ فترة طويلة، لتعبث به طهران ودمشق والرياض وتل أبيب كل على حدة، أو بتوافقات غامضة أحياناً ومكشوفة في أحيان أخرى. وشكّلت كارثة الانفجار يوم 4 أغسطس/ آب الحالي فرصة استعراضية صادقة، أو مبالغا بها للرئيس ماكرون، ليقفز إلى مقدمة الدول المؤثرة في هذا الملف، جامعاً القوى السياسية جُلّها، ومسمعاً إياها كلاماً قاسياً يعيد لفرنسا دوراً انتدابياً غير مرئي على لبنان، بعد مائة عام من مساهمتها في إعلان نشوء هذا البلد.

التركيز على السياسة الخارجية وسيلة لتسجيل نجاحٍ ما ضمن الخيبات

ملف ساخن آخر، وربما ليس الأخير، الانقلاب العسكري في مالي، والذي يُشكّل قلقاً وإحراجاً فاعلين في الموقف الفرنسي، حيث تدفع فرنسا، منذ عهد فرانسوا هولاند، بالآلاف من جنودها لمساعدة الجيش الوطني في محاربة الجماعات المسلحة المتطرّفة. ترفض باريس الانقلاب، ويضغط الإليزيه على حلفاء فرنسا الأفريقيين، لعزل الانقلابيين الذين تشير معلومات إلى قرب بعض رموزهم من موسكو. 

عشية الخريف، ومع عودة الحديث عن موجة جديدة من وباء كورونا، وعن انهيارات مرتقبة لعديد من كبريات المؤسسات الاقتصادية والمالية، يبدو أن التركيز على السياسة الخارجية وسيلة لتسجيل نجاحٍ ما ضمن سلسلة من الخيبات. في المقابل، يتعلم الحصيف من دروس التاريخ الحديث أن السياسة الخارجية لم تكن البتة عاملاً حاسماً في الفوز في انتخاباتٍ رئاسية.