صيف الجزائر... بيوت مستأجرة تحلّ الأزمة وترهق العائلات

06 سبتمبر 2019
الصورة
للجزائر شريط ساحلي طويل (فايز نور الدين/ فرانس برس)
يشكو الجزائريون في كلّ عطلة صيف من ضعف قدرتهم على استئجار البيوت بالقرب من شواطئ البحر، في ظلّ نقص واضح في المرافق السياحية من فنادق ومنتجعات. ويلجأ المصطاف عادة إلى استئجار شقة أو مجرد غرفة ومطبخ، لكنّ المأساة الكبرى التي تواجهه هي غلاء الأسعار.
في العقد الأخير، تكررت هذه الأزمة سنوياً، إذ تفضل العائلات الجزائرية المحافظة استئجار شقق للاصطياف وقضاء العطلة بدلاً من الذهاب إلى الفنادق، كونها ترفض الاختلاط مع آخرين ومقاسمتهم المكان. وفي مقابل هذه الرغبة يعرف سكان المدن الساحلية من أين تؤكل الكتف، بالرغم من أنّ البيوت المستأجرة لم تكن حاضرة في قاموس الجزائريين قبل عقدين فحسب. هكذا باتت اليوم مصدر رزق للبعض، ويقول محمد بوجليدة لـ"العربي الجديد" إنّه انتهز الفرصة قبل بداية الموسم لتجهيز غرف ومطبخين وحمامين لتأجيرها طوال ثلاثة أشهر فقط هي عمر الصيف. يوضح أنّه أجّر الغرفة والمطبخ بسعر 50 ألف دينار جزائري (250 دولاراً أميركياً) لمدة 10 أيام، وهكذا تمكن من جني دخل كبير هذا العام، وهو ما جعله يفكر بتكرار التجربة في الصيف المقبل، وربما توسعة النشاط.
في منطقة العوانة بولاية جيجل الساحلية، يتهافت السائحون الأجانب والجزائريون الآتون من المدن الداخلية، خصوصاً من الولايات المجاورة لـ"جوهرة الشرق الجزائري" كما تعرف جيجل، كولايات ميلة وقسنطينة وبسكرة والوادي وباتنة وأم البواقي. "هي مدينة ساحرة حقاً"، بحسب محمد الطاهر بولعراس الآتي من عين البيضاء بولاية أم البواقي رفقة عائلته المكونة من ستة أفراد.

يرفض التحدث عن ظروف إقامته في البداية، ويقول لـ"العربي الجديد": "مسلسل البحث عن شقة للإقامة مرهق جداً، أما الحديث عن ايجاد فندق فهو من سابع المستحيلات". معضلة كبيرة يعيشها المصطافون الآتون من الولايات الداخلية لإيجاد شقة للإيجار مكونة من ثلاث غرف، في البداية كانت كلفة استئجار مثل هذه الشقة في الأسبوع الواحد 70 ألف دينار (580 دولاراً)، لكن مع المصاريف اليومية فإنّ المبلغ المخصص لقضاء أسبوع في شاطئ بالبحر في منطقة جيجل يعدّ باهظاً جداً، بحسب بولعراس.
كغيرها من المدن الساحلية، تعرف ولايات تلمسان ومستغانم ووهران بسواحل خلابة ومناظر طبيعية. يقول بلقاسم ينون لـ"العربي الجديد" إنّها "جنة فوق الأرض" إذ زار سبدو وبني صاف بولاية تلمسان في أقصى الغرب الجزائري، مردداً أنّها فعلاً جنة بنظافتها ومناظرها الخلابة، لكن بالنسبة للفنادق واستئجار البيوت فالأمر صعب جداً، إما بنقص كبير في الأماكن التي تتوفر على فنادق وبيوت للاستئجار أو بالنظر للأسعار المرتفعة و"إفراغ جيوب المصطافين".
يحكي عن تجربته أو "المغامرة" التي قام بها رفقة أصدقائه، كما يصفها، إذ أمضى الأربعة يومين بحثاً عن مكان للمبيت، وفي النهاية اهتدوا إلى فكرة التخييم في الشاطئ ثم الجبل، حتى يقتصدوا "فضلاً عن اكتشاف متعة التخييم في الفضاء الفسيح بعيداً عن تكاليف المبيت الفندقية أو في البيوت المؤثثة المؤجرة".

تحايل على الأسعار

من جانبه، يقول صديقه عبد العالي، الآتي من ولاية الجلفة، إنّه فرح كثيراً بهذه المغامرة، رافضاً ابتزاز أصحاب الشقق أو حتى الفنادق الفاخرة: "الموظف في مؤسسة عمومية لا يمكنه أن يمضي أسبوعاً كاملاً في فندق بولاية تلمسان، فأسعارها نار نار" كما يعلق.
وندد كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بارتفاع إيجارات المنازل في المناطق الساحلية، علاوة على ارتفاع الأسعار في المحلات المجاورة لها: "المناطق الساحلية تشهد ارتفاعاً قياسياً في الأسعار بالنسبة للمواد الغذائية والمياه المعدنية وحتى في أسعار الخضر والفواكه، كونها مناطق سياحية" كما ذكر البعض.
من الأسر التي استفادت من تأجير المنازل في الصيف أسرة مونية بن زهرة. تقول مونية لـ"العربي الجديد" إنّها وجدت في هذه العملية إمكانية لتحقيق مزيد من الدخل، خصوصاً أنّ دخل زوجها لا يكفيها هي وأولادها. وهكذا خصصت غرفة ومطبخاً وحماماً أجرتها خلال فترة الصيف أسبوعياً للمصطافين. وبذلك "تمكنت من دفع كلّ فواتير الكهرباء والغاز والماء وتكاليف دراسة الأولاد".

بدوره، يؤكد لخضر أمقران، من منطقة برج البحري بولاية بومرداس، شرقي الجزائر لـ"العربي الجديد" أنّ الصيف فرصة لدى كثيرين لكسب المال، خصوصاً مع النقص الكبير في الفنادق الصغيرة أو البيوت الفندقية، وتوفر فنادق فخمة لا يمكن للمواطن البسيط أن يستمتع بعطلته عبر تأجير غرف فيها بسبب الغلاء وانعدام الخصوصية.
وبينما يحلّ استئجار البيوت مشكلة العائلات المحافظة ويسد حاجة عائلات أخرى للمال، فهو يسبب مشكلة أمنية للسلطات، فإذا كان السائح المقيم في الفندق ملزماً بتسجيل بياناته وإبراز هويته، يختلف الأمر في خصوص الشقق، وهو ما يثير مخاوف السلطات، خصوصاً مع غياب أيّ عقد أو إيصال بين المؤجر والمستأجر.

ويعتقد محمد سلامي، وهو صاحب وكالة عقارية في مدينة تيبازة الساحلية، بالقرب من العاصمة، أنّ أصحاب الشقق يرفضون جعل إيجاراتهم رسمية بسبب الخوف من الضرائب، ومن كشف عدم حاجتهم إلى المسكن في حال تقدم أيّ من أفراد العائلة بطلب مستقبلي للحصول على شقة سكنية. يضيف أنّ السلطات حاولت قبل سنوات تنظيم هذا الأمر وسهلته على أصحاب الشقق عبر وضع ورقة تعريفية بين المؤجر والمستأجر توقع في البلدية، لكنّ أصحاب الشقق يرفضون ذلك أيضاً.
في مثل هذه الأوضاع، وجد كثيرون متنفس اصطياف في تونس الجارة، لما تضم من فنادق بأسعار مخفضة، فضلاً عن توفر شقق للإيجار في مختلف مدنها الساحلية، إذ يقطع الآلاف من الجزائريين المعابر الحدودية في فصل الصيف لقضاء عطلتهم، رفقة أسرهم وبـ"أقلّ الأضرار" كما تقول منى بوهيدل لـ"العربي الجديد" إذ اختارت وجهتها هذا العام مدينة نابل التونسية، بعدما يئست من إيجاد مكان "لتغيير الجو بعد عام من الكد والجهد في الجامعة" حيث تدرس. وهكذا، وبالرغم من الثراء الطبيعي في ولايات الجزائر الساحلية والداخلية، تبدو السلطة عاجزة عن القيام بصناعة سياحية حقيقية توفر للمواطنين أماكن اصطياف وإشتاء مجهزة، وتوفر للدولة مداخيل كبيرة، وتشكل وجهة سياحية أساسية للآتين من خارج البلاد أيضاً.
تعليق: