صراع على غاز المتوسط...تركيا ترسل سفينة تنقيب ثانية وسط رفض أميركي أوروبي

10 يوليو 2019
ارتفعت حدة الصراع مجددا بين تركيا من جهة، وقبرص ومعها الاتحاد الأوروبي وأميركا ومصر واليونان من جهة أخرى، على خلفية خلافات حول مناطق التنقيب عن الغاز والنفط في منطقة شرق البحر المتوسط، لتصل إلى ذروتها الأربعاء، مع تلويح الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على أنقرة في حال لم توقف نشاطها الاستكشافي الذي وصفه بـ "غير القانوني" و"انتهاك للسيادة القبرصية". 

وجاء التحرك الدولي ضد أنقرة عقب إعلان تركيا إرسال سفينة ثانية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية تحمل اسم "ياووز"، وزاد من حدة التوتر أيضا الإعلان عن إرسال أول حاملة طائرات تركية محلية الصنع لحماية سفينتي التنقيب في البحر الأبيض المتوسط وتعزيز قوة سلاح البحرية التركية المكلفة بحماية السفينتين.

كما جاء التحرك بعد إعلان أنقرة أمس، استكمالها عمليات التنقيب ورفضها التصريحات الأوروبية عن عدم شرعية بحثها عن الغاز والنفط قبالة سواحل قبرص التركية، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يكون وسيطاً محايداً في المشكلة القبرصية.

وتعارض قبرص الرومية واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومصر وإسرائيل، أعمال تركيا في التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في البحر المتوسط.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية حثت الثلاثاء، السلطات التركية على وقف عمليات التنقيب عن النفط والغاز قبالة ساحل قبرص، وقالت في بيان إن "هذه الخطوة الاستفزازية تزيد التوتر في المنطقة. ندعو السلطات التركية إلى وقف تلك العمليات ونشجع كل الأطراف على ضبط النفس في تصرفاتها والإحجام عن الأعمال التي تزيد التوتر في المنطقة".

ووجهت وزارة الخارجية المصرية انتقادات لتركيا على خلفية مواصلة الأخيرة التنقيب عن الغاز قبالة الشطر التركي من جزيرة قبرص، واعتبرت أن ذلك "يزيد من حدة التوتر في البحر الأبيض المتوسط". وحذرت القاهرة في بيان السلطات التركية من "مواصلة اتخاذ إجراءات أحادية" وأعربت عن "القلق لما أعلن عن اعتزام تركيا التنقيب في محيط جمهورية قبرص".

وأكدت الخارجية المصرية "ضرورة عدم التصعيد والالتزام باحترام وتنفيذ قواعد القانون الدولي وأحكامه"، وفق تعبير البيان.

كذا، دعت فرنسا الثلاثاء تركيا إلى احترام "سيادة" قبرص وعدم زعزعة "الاستقرار الإقليمي". وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية آغنيس فون دير مول أن "تركيا أعلنت عن عمليات تنقيب جديدة في شرقي المتوسط بما في ذلك في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية". وقالت مول "تذكر فرنسا في هذا الاطار بتمسكها الثابت باحترام قوانين البحار وبتضامنها مع قبرص التي يجب احترام سيادتها". وأضافت "ندعو تركيا لتفادي أي عمل سيكون مخالفا للقانون ويعرض الاستقرار الإقليمي للخطر".

ولم يصدر عن الجانب الإسرائيلي أي مواقف حتى اليوم، إذ لا تزال إسرائيل "تعمل في الظل" وفق تعبير مجلة "جلوبس" الإسرائيلية، "جنباً إلى جنب مع قبرص الرومية من أجل توفير الحماية لآبار الغاز".

وصدر الإثنين بيان شديد اللهجة عن الرئاسة القبرصية جاء فيه أن "تركيا تصعّد انتهاكاتها المتكررة لحقوق قبرص السيادية بموجب قانون البحار التابع للأمم المتحدة والقانون الدولي وهو أحد أخطر الاعتداءات على سيادة جمهورية قبرص".

في حين قال رئيس الوزراء اليوناني، أليكسيس تسيبراس، الشهر الماضي، إن بلاده وقبرص ستضغطان على شركائهما في الاتحاد الأوروبي لمعاقبة تركيا إذا ثبت أنها بدأت عمليات تنقيب عن الغاز.

واكتشفت قبرص الرومية الغاز الطبيعي في مناطق قبالة الساحل الجنوبي للجزيرة المتنازع عليها مع تركيا، لكنها لم تستخرج شيئا منه. وتشكك تركيا في حقوق قبرص الرومية في التنقيب عن الغاز وأرسلت سفنا تابعة لها للقيام بتلك المهمة حول الجزيرة.

وتقول أنقرة، التي ليست لها علاقات دبلوماسية مع قبرص، إن بعض المناطق التي تنقب فيها قبرص إما تقع على الجرف القاري لتركيا أو في أماكن يتمتع فيها القبارصة الأتراك بحقوق متساوية مع القبارصة اليونانيين في أي اكتشافات. لكن نيقوسيا ترفض هذا وتقول إنه لا يتعارض فحسب مع القانون الدولي بل إن تركيا لن تقبل بأي آلية دولية لفض النزاع تعرض مطالباتها للتدقيق.

وتعاظم الاهتمام بجزيرة قبرص، بعد أن أعلنت شركة "نوبل إنرجي" الأميركية، عام 2011 عن اكتشاف حقل للغاز قبالة السواحل القبرصية تقدر احتياطاته بـ 127.4 مليار متر مكعب من الغاز، في حين أكدت شركتي "إيني" الإيطالية و"توتال" الفرنسية اكتشاف مخزون جوفي كبير من الغاز في المياه الإقليمية للجزيرة الواقعة في البحر المتوسط.

وزادت اكتشافات الغاز من أهمية جزيرة قبرص، بشطريها التركي واليوناني، ما خلق توترات بين تركيا واليونان وقبرص، خاصة بعد ما وصفه الأتراك بـ "إقصائهم" عن منتدى "غاز شرق المتوسط" الذي استضافته مصر مطلع العام الحالي، ودفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحذير أي دولة من التنقيب بمياه قبرص التركية، دون التوافق وتحقيق عدالة اقتسام الثروة.

وفي مواجهة الإدانات الأميركية الأوروبية دافعت أنقرة عن موقفها، حيث أكدت وزارة الخارجية التركية في بيان الأربعاء أن سفينة "فاتح" التركية بدأت عمليات تنقيب غربي الجزيرة الواقعة بالبحر المتوسط في بداية مايو/ أيار، وأن السفينة "ياووز" وصلت في الآونة الأخيرة إلى شرقي سواحل قبرص وستجري عمليات تنقيب.

وأشارت إلى أن اليونان تستحق لقب "طفل أوروبا المدلل" وأن قبرص واليونان، العضوين في الاتحاد الأوروبي، تنتهكان القانون الدولي منذ سنوات وجرتا منطقة شرق البحر المتوسط إلى حالة من عدم الاستقرار. وقالت "عضوية الاتحاد الأوروبي لا تعطيهما الحق في اغتصاب الحقوق المشروعة للقبارصة الأتراك ومصالحهم".

وتتعارض مطالب تركيا وحكومة قبرص على السيادة في هذا الجزء من البحر وهي منطقة يعتقد أنها غنية بالغاز الطبيعي. ورست السفينة "ياووز" يوم الاثنين إلى الجنوب من شبه جزيرة كارباس في قبرص التركية. وعبرت نيقوسيا عن احتجاجها الشديد ووجه الاتحاد الأوروبي توبيخاً لتركيا.

واعتبر الخبير الاقتصادي التركي، خليل أوزون، في حديث مع "العربي الجديد"، أن اكتشافات الغاز قبالة السواحل القبرصية، ومحاولات استلاب حقوق القبارصة الأتراك، زادت من تصميم تركيا على الوقوف إلى جانب قبرص. وأضاف أوزون أن "قرار تركيا هو الوقوف إلى جانب القبارصة تحت جميع الظروف، بحيث لا تسمح بضياع حقوقها بالغاز، بل السعي لتقسيم الثروات بشكل عادل".

وقالت أنقرة، إن بعض المناطق البحرية الواقعة ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لقبرص إما تقع ضمن الولاية القضائية لتركيا أو للقبارصة الأتراك الذين أعلنوا دولة في شمال الجزيرة لا تعترف بها سوى تركيا.

وشرحت الخارجية التركية أن السفينة "فاتح" تنقب في مناطق داخل الجرف القاري الذي أبلغت أنقرة الأمم المتحدة بتبعيته لها وأن شركة البترول التركية أصدرت تراخيص فيها عامي 2009 و2012. وتلفت إلى أن السفينة "ياووز" تنقب لصالح القبارصة الأتراك في منطقة أصدرت شركة البترول التركية ترخيصا فيها عام 2011.

ورأى المحلل الاقتصادي أوكتاي يلماظ، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن ردود الأفعال والانحياز الأوروبي والأميركي حيال سعي تركيا لتحصين حقوقها وحقوق قبرص الشمالية، تعتبر غير مبررة. وأكد أنه لا يمكن تطبيق أي اتفاق حول التنقيب من دون تركيا وقبرص الشمالية، متوقعاً الانتهاء من رسم الخارطة البحرية المعنية بها والتابعة لحدودها الإقليمية ولحدود قبرص، قريباً.

وحول سبب سعي تركيا لرسم خارطة جديدة بدلاً من السير باتفاق ترسيم الحدود الذي تم عام 2013، أشار يلماظ إلى أن تلك الاتفاقية تمت بين مصر وقبرص اليونانية، بعيدا عن حضور ومشاركة تركيا وقبرص الشمالية، كما أنها تعدت حقوق تركيا بما يسمى الجرف القاري التركي عند خطوط الطول 32، و16، و18 درجة، وذلك رغم أن لتركيا سواحل مطلة على شرق المتوسط وهي صاحبة السيادة عليها وفق القانون الدولي والاتفاقات الموقعة بعد عام 1923، كما لدى تركيا اتفاقات مع إنكلترا التي كانت تسيطر على قبرص عام 1953.

ذات صلة

الصورة

سياسة

يتخوف المدنيون في إدلب والنازحون إليها من معلومات عن إمكانية وجود مقايضة بين روسيا وتركيا بما يخص طريق حلب – اللاذقية الدولي، الذي تتمسك موسكو والنظام السوري بضرورة إعادة فتحه، مقابل إبعاد المسلحين الأكراد عن الحدود التركية.
الصورة

سياسة

يستعد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين المقبل، لمناقشة أزمة شرق المتوسط والخلاف الحاد بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى بشأن حقوق التنقيب عن النفط والغاز، وذلك ضمن عدد من الملفات المطروحة أمام قمة قادة الاتحاد الأوروبي.
الصورة
أردوغان والسراج (الأناضول)

أخبار

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الجمعة، إن تركيا منزعجة من إعلان فائز السراج رغبته في التنحي عن رئاسة حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، بحلول نهاية أكتوبر/ تشرين الأول.
الصورة

سياسة

يواصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، توجيه الانتقادات لنظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على خلفية التوتر مع اليونان في منطقة شرق المتوسط بشأن التنقيب عن الغاز وهرولة باريس لدعمها، إذ اعتبر أن سياسات ماكرون "متخبطة".