صراع الذاكرة والوجود

15 مايو 2020
الصورة
هاني زعرب/ فلسطين (جزء من عمل، سلسلسة "انتظار" )

صادف زمنُ النكبة الفلسطينية زمنَ ولادة الرواية العربية بشكلها الفنّي المكتمل، أو شبه المكتمل، وربما يكون هذا الأمر قد وضع الروائيّين العرب في مأزق. إذ كانت القضيةُ كبيرةً وموجعة ومباغتة إلى حد أنك لا ترى في أي رواية واكبت النكبة زمنياً، أو صدرت بعد وقوعها بزمن قليل، ما يشير من قريب أو من بعيد إلى ما يحدث هنا في الجوار الفلسطيني، من قتل وتشريد وتهجير واقتلاع.

وقد تأخّر ظهور الرواية الفلسطينية أو الرواية العربية التي كانت فلسطين محوراً لها، أو وضعت إحدى الشخصيات في لحظات التساؤل عن المصير، إلى أوقات أخرى، بينما سادت في السنوات التالية للنكبة، بكائيات الشعر وأوجاعه. ولهذا رأينا العربَ يحتفون برواية إيثيل مانين "الطريق إلى بئر السبع" فيترجمونها بعد ظهورها في عام 1963 وتشتهر بينهم أكثر من شهرتها في بلد كاتبتها الأصلي.

تذكُر الكاتبة، في مطلع الرواية، أنّ الذين التقت بهم في المخيّمات سألوها: "لماذا لا تكتبين قصّتنا نحن، قصة الخروج الآخر.. خروجنا نحن؟". ويبدو هنا أنَّ أولئك اللاجئين كانوا يشعرون أنَّ من بين أسباب النكبة غياب الرواية الفلسطينية القوية عن ذاكرة العالم، سواء رواية الوجود، أو رواية التهجير، أو مسألة الخروج من الأرض.

وقد كان الفلسطينيون، من أكثر الشعوب التي تعرّضت للاستبعاد في المجال التاريخي، وكانت الغاية، لدى صانعي القرارات السياسية والتاريخية من بعد، هي خدمة الرواية الإسرائيلية أو الصهيونية عن فلسطين. وفي صراع الذاكرة هذا تغلّبت، حتى يومنا هذا، على صعيد الرأي العام العالمي الرواية الإسرائيلية، على الرغم من أنها كانت، ولا تزال، مضطرّة لاختراع تراث هائل ملفَّق كي تتمكّن من طمس الذاكرة الفلسطينية، وقد يكون من أسباب تأخُّر الفلسطينيّين في تسجيل رواياتهم التاريخية شعورهم بعدالة قضيتهم، أو أنهم عجزوا عن إنتاج رواية مقنعة لها بداية ووسط ونهاية، كما يقول إدوارد سعيد. بينما كانوا محتاجين إلى كمّ كبير من الروايات والأشعار والحكايات والأبحاث التي تقدّم هذه الرواية في المواجهة مع الرواية الإسرائيلية.

وليس غريباً بالطبع في هذا العالم أن يغلب الاختلاقُ والتزويرُ الحقائقَ، فالماكنة الغربية المؤيدة لـ "إسرائيل" (وقد باتت أكثر اتساعاً اليوم بانضمام روسيا والصين والهند إلى معسكر الداعمين لها)، تسيطر على الإعلام وتعمل على توجيه الفكر والدراسات والأبحاث في خدمة مصالحها.

لكن ليست المشكلة أن يكون لدينا رواية مضادّة للرواية الإسرائيلية عن أرض فلسطين، على وجاهتها، فبالإضافة إلى الشعر الفلسطيني الذي حقّق حضوراً عالمياً لافتاً، والرواية الفلسطينية التي تتقدّم بشجاعة في حقول الصراع، فإن الموارد التاريخية متوفّرة أيضاً، وهناك من ينقض الرواية الصهيونية بالكامل مثل كمال الصليبي الذي يتحدّث عن أن "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، ويكتب المؤرّخ الفرنسي هنري لورنس عن "مسألة فلسطين" كتاباً في تسعة مجلّدات بحسب الترجمة العربية، ولدينا كيث وايتلام الذي يتحدّث عن "اختلاق إسرائيل".

مشكلة فلسطين ليست في غياب قدرة الفلسطينيين على إظهار نبل قضيتهم، وقوّة حقّهم. والقول إنه لا يصحّ إلا الصحيح، وإن للحق قوّة البقاء، صحيح جدّاً، غير أنه ليس قواعد للعمل الوطني في هذا العالم. الحقيقة هي أن الفلسطينيّين لا يملكون القوة اللازمة لتحقيق العدالة والإنصاف لهذه القضية النبيلة. وقصة الصراع بين الحق والقوة قديمة، وسبق لليوناني ثوكوديدس أن قال بصراحة قبل أكثر من ألفَي عام: "إنّ حُجَجَ الحق ليس لها وزن... فالأقوى هو الذي يفوز بأكثر كسب ممكن جرّاء قوته".


* روائي من سورية