صدر قديماً: "شروط النهضة" لـ مالك بن نبي

19 اغسطس 2017
الصورة
مالك بن نبي (1905-1973)
+ الخط -

"شروط النهضة"، كتاب نشره المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) بالفرنسية في عام 1948، قبل أن يترجم إلى العربية لاحقاً، وينضم إلى سلسلة كتب له تحت عنوان عام هو "مشكلات الحضارة"، كتب بعضها بالعربية مثل كتاب "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" (1961) وترك بعضها لعدد من المترجمين.

اعتنت هذه السلسلة أولاً ببحث أسباب انحطاط الحضارة الإسلامية، وثانياً بكيفية عودة العرب بخاصة والمسلمين بعامة، إلى التاريخ، بعد غياب امتد كما يرى منذ سقوط دولة الموحدين في العام 1369 وصولاً إلى الأزمنة الحديثة، وتخللت هذا الجهد الفكري دراسات وضعها في إطار مشكلات الحضارة أيضاً، مثل مشكلة الثقافة، ومشكلة الأفكار، ومشكلة إنسان ما بعد الحضارة، ومشكلة التراب، ومشكلة الزمن.

وتفرّد هذا المفكر بإرجاع مشكلات نهوض المجتمعات وانحطاطها إلى الإطار الحضاري، وبحثها ووضع اليد على حلول لها في هذا الإطار، مما دفع بعض الكتاب إلى اعتباره امتداداً لابن خلدون (1332- 1406) مبتدع علم الحضارة، أو العمران بمصطلحات زمنه.

يقسم بن نبي كتابه الذي بين أيدينا إلى بابين، باب الحاضر والتاريخ، وباب المستقبل. يتناول في الأول الظاهرة الإصلاحية التي بدأت في الجزائر في العام 1925 منطلقاً من أن الكلمة تساهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، ويعني بها الاهتداء بالآية القرآنية "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد:11)، ويحدد ساعة اليقظة والحركة الشعبية بظهور حركة الإصلاح التي نهض بها العلماء الجزائريون، وعلى رأسهم بن باديس. إلا أنه يأخذ على هذه الحركة مسايرتها للسياسيين وممالأتهم، وغرقها في ما سماها أوحال السياسة.

ولديه أن الجزائر بدأت تشهد انبعاثاً فكرياً وروحياً بفضل تركيز الحركة على تشييد المدارس والحديث في الشؤون الاجتماعية والتعليم والتربية وتطهير الأخلاق والعادات ومستقبل المرأة واستخدام رؤوس الأموال، إلا أن المشاركة في مؤتمر العام 1936، جعلها "تضل طريقها، وتعود أدراجها ميممة وجهها شطر السراب السياسي، فتوارت بوارق النهضة والتقدم".

يقول بن نبي ناقداً ما اعتبره إخفاقاً: "أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست في ما نستحق من رغائب، بل في ما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية .. وما فيها من نقائص تعتري كل شعب نائم.. فبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة، أصبحت سوقاً للانتخابات".

ويرى بن نبي في هذا الانقلاب غياباً للفكرة، وحلولاً للأشخاص، أو الأوثان بتعبيره، محلها على رأس الحركة الجزائرية، فأصبح الشعب أكثر ميلاً لتصديق معجزات يأتي بها رجاله وزعماؤه السياسيون، كتلك التي يشاع عند العامة أن "أصحاب الحظوة" يختصون بها، وأصبح يؤمن بالعصا السحرية التي تحوله بضربة واحدة إلى شعب رشيد، مع ما به من جهل وما ينتابه من أمراض اجتماعية. ويختم هذا الباب الأول بهذه الصورة "أصبح جوهر المسألة مشكلتنا العقلية.. نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنا في الهواء؛ وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا".

ومع الانتقال إلى الباب الثاني (المستقبل) الذي هو لبّ وجوهر أطروحة الكتاب، يطرح بن نبي أكثر أفكاره التي عُرف بها أهمية؛ نظريته في معوقات النهضة التي يجب أن تكون في اعتقاده نهضة حضارة، على اعتبار أن ما يعيق النهضة في المقام الأول هو عدم إدراك طبيعة المرض الذي ينتاب العالم الإسلامي؛ انحطاط فعاليته الحضارية. كل مصلح، كما يقول، وصف الوضع الراهن تبعاً لمزاجه أو مهنته أو رأيه.

ويضرب مثلاً بالأفغاني الذي رأى أن المشكلة سياسية، وتحل بوسائل سياسية، والمثل الآخر رجل الدين محمد عبده الذي رأى المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ..إلخ. وكل هذا تشخيص لا يتناول في الحقيقة المرض، بل يتحدث عن أعراضه. وكان هذا هو حال ما يقارب خمسين سنة مما سُمّي بعصر النهضة؛ يريد المريض الخلاص من آلام كثيرة؛ من الاستعمار والأمية والكساح العقلي.. وهو لا يعرف حقيقة مرضه، ولم يحاول أن يعرفه. ويشبّه بن نبي العالم الإسلامي بمن دخل صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء، فيتعاطى حبة ضد الجهل، وقرصاً ضد الاستعمار، وعقاراً للشفاء من الفقر، ولكن من دون أن يلمح شبح البرء.

من هنا يبدأ ببسط رؤيته. فيعرّف القارئ بالمقياس العام للحضارة، وملخصه "أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها". فيشرح تحت عنوان "من التكديس إلى البناء" كيف أن شراء منتجات الحضارة لن يخلق وضعاً حضارياً، لأن ما يظل مفقوداً هو ما لا تبيعه تلك الحضارة البائعة، أي روحها وفكرها: "فمن دون حشد الأفكار والمعاني التي لا تلمسها الأنامل، تصبح كل الأشياء التي تبيعنا إياها فارغة بلا روح ولا هدف".

بعد هذا ينتقل إلى عرض فكرة دورة الحضارة، أي قانونها، الذي يبدأ كما يرى، بالفكرة الدينية، أو أي فكرة أخلاقية أخرى، فتمر بمرحلة الروح، ثم تصل إلى مرحلة العقل وتمتد، إلى أن تصل إلى لحظة تغلب الغريزة على العقل، وهنا تبدأ مرحلة الهبوط والأفول. ويستفيد بن نبي من فكرة الدورة الحضارية ليفسر صعود الحضارة العربية في مرحلتها الإسلامية، وأي حضارة إنسانية شبيهة بها من حيث المنطلق الديني حسب تقديره، ثم انحطاطها، ومن ثم الوصول إلى العناصر الأولية التي تتفاعل وتتركب قبل أي دورة من دورات الحضارات.

ويلخصها في ثلاثة عناصر؛ الإنسان والتراب والزمن، أو الوقت بتعبيره، وهي تحتاج إلى "فكرة" دينية أو أخلاقية توجه الإنسان نحو مستقبل موعود، لتركيبها، وتحويلها إلى عناصر فاعلة. ويعتقد أن في تكييف هذه العناصر ومعالجتها، تحت عناوين توجيه الإنسان أخلاقياً وثقافياً وجمالياً واقتصادياً، وإخضاع التراب وتخضيره، واستغلال الزمن، وكل ذلك في ضوء الحاجات الاجتماعية، هو الذي يفتح الطريق نحو نهضة تعرّفت على وسائلها وأخذت بأسباب ما تأخذ به كل نهضة إنسانية.

في ما تبقى من فصول، يتناول الكتاب تحت عنوان "الاستعمار والشعوب المستعمرة"، تأثير ما يسميه "المعامل الاستعماري" كمؤثر خارجي في تشتيت طاقة المجتمعات وتحطيم قواها وإمكانياتها، ثم يتناول معاملاً آخر هو ما يطلق عليه "معامل القابلية للاستعمار" الذي أساء الكثيرون فهمه. هذا المعامل يؤثر على المجتمعات من الداخل، حين تخضع مخيلتها وفكرها للغة ومصطلحات ومفاهيم المستعمر، أي حين يتولد لديها استعداد لخدمة المستعمر، واعية بذلك أو غير واعية.

ويوضح بن نبي ما يقصده بهذا المصطلح الأخير بالقول "ما دام للمستعمر سلطة خفية على توجيه الطاقة الاجتماعية عندنا، وتبديدها وتشتيتها على أيدينا، فلا رجاء في استقلال، ولا أمل في حرية، مهما كانت الأوضاع السياسية، وقد قال أحد المصلحين: أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم".

دلالات

المساهمون