شيشة الجزائر... بديل لمقاهي "اشرب واهرب"

02 ابريل 2019
الصورة
فضاء شبابي (تقي زيّان)
+ الخط -


يُسمّي الجزائريّون المقهى "القهوة" نسبة لأكثر المشروبات المقدّمة فيه. فمن المخلّ بحياء الرجل، في نظرهم، أن يلتقي أحد معارفه، أو حتّى عابر سبيل، من دون أن يدعوه إلى قهوة في المقهى، كما أنّ عبارة "نلتقي في المقهى" تتردّد على كلّ لسان، ضرباً لموعد أو حلاً لخلاف أو تعبيراً عن شوق أو حميمية.

لعب المقهى في القرن العشرين دوراً حاسماً في تشكيل الوعي الفني والوطني والسياسي للجزائريين. ففيه تشكّلت نوادٍ رياضية وثقافية وفنية كان لها الفضل في نشوء الحركة الوطنية الداعية للاستقلال عن فرنسا، ثم اندلاع ثورة التحرير عام 1954. فكرة تأسيس فريق "مولودية الجزائر"، الذي يُعدّ عميد الفرق الرياضية الجزائرية انطلقت من مقهى في الجزائر العاصمة عام 1921.

البيت البديل

حافظ فضاء المقهى على دوره الاجتماعي، بعد الاستقلال الوطني عام 1962، فكان في طليعة الفضاءات الحميمة البديلة للبيت، التي تستوعب تعب ومشاكل وشغف وصداقات الجزائري، حتى بات شائعاً أنّك إذا احتجت أحدهم فالتمسه في مقهى الحومة (الحيّ أو المحلّة) أو اسأل عنه هناك، ومن ذلك المثل الشعبي "سي محمّد تلقاه عند ميمتو أو قهيوتو"، أي أنّ محمّداً، وهو اسم يختزل الأسماء في الجزائر، إمّا أن يكون عند أمّه أو في مقهاه.

كذلك، كانت بعض المقاهي في الجزائر، خلال العقدين، اللذين تليا الاستقلال الوطني، تُنسب إلى أحد شيوخ الأغنية الشعبية، إذ يجلسون فيها ويلتقون بمعجبيهم، فيقال، مثلاً، مقهى الشيخ محمّد العنقا ومقهى عمر الزاهي في الجزائر العاصمة، ومقهى محمد الطاهر الفرقاني في قسنطينة، ومقهى بلاوي الهواري ومقهى أحمد وهبي في وهران.

وثمة مناطق تحتفل بالمرة الأولى، التي يدخل فيها الطفل إلى السوق والمقهى، كنايةً عن بلوغه سنّ الرشد، وبداية تعامله مع الكبار. ولها في ذلك طقوس منها ذبح ديك بلدي وتوزيع الحلوى على بيوت الجيران.
تربطهم الشيشة بالمقهى الذي هو بمثابة البيت الثاني لكثير من الشباب(تقي زيّان) 


"اشرب واهرب"

مع بداية تسعينيات القرن العشرين، بدأ المقهى في الجزائر يفقد روحه الحميمة، بتخليه عن ثقافة اللمّة، التي تجمع الناس، ممن يكونون في العادة أبناء حومة واحدة، فيتجاذبون أطراف الحديث ويلعبون الورق والدومينو. ولم يعد إلا فضاء لتناول مشروب "على السريع" أو أخذه في فنجان بلاستيكي، إذ انتشرت عبارة "أعطيهلي أومبورتي" أي جاهزة لآخذها معي.

يُرجع المهتمّ بالثقافة الشعبية، توفيق ومان، في حديث إلى "العربي الجديد" هذا الواقع الجديد للمقهى الجزائري، إلى ما يطلق عليه صفة "عوامل موضوعية عملت على إفراغ المقهى من محتواه الاجتماعي والثقافي والحميمي، فأصبح بديلاً لمطبخ البيت فقط، بعدما كان بديلاً عن البيت كلّه". من هذه العوامل، بحسب ومان "انتشار العنف والإرهاب، خلال تسعينيات القرن العشرين، إذ بات الجزائري يتفادى الاغتيال بتجنّب الأماكن التي يمكن العثور عليه فيها بسهولة، إذ كانت الجماعات المسلحة تقتحم المقاهي بحثاً عن وجوه مطلوبة لديها، كما أنّ المقاهي كانت ضمن الفضاءات المعرضة لخطر التفجير، بحكم اكتظاظها بالناس".

لاحقاً، بعد انقشاع غيمة العنف والإرهاب، يقول ومان لـ"العربي الجديد"، بات هناك سبب آخر لخلوّ المقهى الجزائري من اللقاءات الحميمة، هو تسارع وتيرة العيش، وهيمنة الثقافة الاستهلاكية، فتخلّى قطاع واسع من المقاهي عن الطاولات والكراسي، وبات الزبون يكتفي بالوقوف دقائق يحتسي فيها ما يريد ثمّ ينصرف".

الشيشة تعيد اللحمة

عرف الفضاء الجزائري الشيشة خلال العهد العثماني، لكنّها تراجعت بانتهائه على يد الفرنسيين عام 1830. وبقي تعاطيها مقتصراً على أسر محدودة، في المدن الساحليّة، التّي شهدت تواجد العثمانيين بكثافة، مثل تلمسان في الغرب ومليانة والمديّة في الوسط.

في السنوات العشر الأخيرة، انتشرت مقاهي الشيشة في المدن الكبرى، حتّى باتت تشكل ما يقترب من ظاهرة اجتماعية جديرة بالدراسة والانتباه، ليس من زاوية عددها فقط، بل من زاوية كونها فضاءاتٍ تقوم على طقوس معينة وتنتج أخرى. ويرصد الإعلاميّ عادل صوالح لـ"العربي الجديد" جملة من العوامل المؤسّسة لبدايات هذه الظاهرة في الجزائر بالقول: "بدأ الشباب الجزائريون، في إطار تجارة الشنطة (الحقيبة)، يقصدون مدناً في تركيا والشام والخليج العربي، فعادوا بممارسات وطقوس منها تعاطي الشيشة، إذ بدأ التعاطي على مستوى مجالسهم، ثمّ مهّد ذلك لفتح مقاهٍ خاصّة بالشيشة".

ويشير صوالح إلى دور السوريين اللاجئين إلى الجزائر بعد عام 2011، في تكريس ثقافة الشيشة إذ "لجأ بعضهم إلى الاستثمار بفتح قاعات أنيقة شكلت لوناً جديداً على الجزائريّين، فراحوا يقصدونها بشغف، ويفتح البعض مثلها في مدنهم".

في وادي سوف (جنوباً)، وعنّابة (شرقاً)، ووهران (غرباً)، والجزائر العاصمة (وسط)، رصدت "العربي الجديد" شغف الشباب بهذه المقاهي. يقول أحدهم، وسيم بودرواز، الذي يعمل في تجارة القماش: "أتعب في العمل كثيراً، فأقصد مقهى الشيشة لأنفث أتعابي مع الدخان". يضيف: "ما يُميّز مقاهي الشيشة عن المقاهي الشعبية أنّها شبابية في العادة، ويقصدها العاملون والمتعلّمون والمتحرّرون، لذلك فالأحاديث فيها مثقّفة وذات هواجس عالية ومواكبة لما يحصل في العالم".

هذا التقارب في المستوى التعليمي والمالي والهواجس، يقول بودرواز إنّه ما جعل التعارف بين زبائن المقهى الواحد سلساً وسريعاً: "يمكنك أن تتبادل الشيشة ورقم الهاتف وحساب فيسبوك مع أحدهم في جلسة واحدة". يختم: "ثمّة جيل جديد ومتحرّر في الجزائر. وقد ظهر هذا خلال المسيرات، التّي عرفها الحراك الشعبي، الذي انطلق يوم 22 فبراير/ شباط الماضي. وقد استوعبت مقاهي الشيشة تحرّره وأناقته وعطشه إلى الانفتاح على الآخرين".

في السياق نفسه، يقول الشاب سيف الدين، إنّه فتح مقهى للشيشة في مدينة برج بوعريريج، 200 كيلومتر إلى الشرق من الجزائر العاصمة: "لاحظت أنّ الجيل الجديد، بفعل مواقع التواصل الاجتماعي، بات يعيش بمنطق العائلات الافتراضية المشتركة في الهوايات الواحدة، والتي تحتاج إلى فضاء واقعي للقاء، فكانت الرحلات الجماعية ومقاهي الشيشة هي الفضاء المحتضن لهذه الحاجة". يتابع سيف الدين: "ولذلك، تتميّز مقاهي الشيشة بكونها تقع في الزوايا الهادئة، فهي لا تحتاج إلى إشهار، إذ إنّ أبوابها مغلقة أساساً، وتعتمد على الزبون الوفي، وبكونها تستقبل الجنسين، مع ملاحظة أنّها ليست فضاءاتٍ للمواعدة، ذلك أنّ الفتاة تقصدها لتمارس مع بعض الشباب، الهواية المشتركة لا الرغبة المشتركة".

بعيداً عن الأحكام الجاهزة، يضيف سيف الدين لـ"العربي الجديد": "تمكن أبناء الجيل الجديد في الجزائر من أن يخلقوا لنفسهم فضاءاتٍ يُمارسون فيها ذاتهم وهواياتهم، ويُناقشون واقعهم وتطلّعاتهم، ومنها مقاهي الشيشة، التّي هي امتداد لمواقع التواصل الاجتماعي في الواقع، بما أوجد قنواتٍ خفيّة للتواصل فيما بينهم. يختم: "ظلّ تأثير هذه القنوات غير مرصود، وهو ما يُفسّر أنّ كثيرين ممّن فاجأهم الحراك السلمي راحوا يسألون: من يقف وراء الحراك"؟

المساهمون