شيخوخة

03 أكتوبر 2019
الصورة
ثمّة هشاشة تستوجب رعاية لائقة (يوهانس أيسيلي/ فرانس برس)

"هناك، على أقلّ تقدير، أعلم أنّ شيخوختي مؤمّنة". و"هناك" تعني كندا. بالنسبة إلى تلك الشابة، لا بدّ من أن تكون شيخوخة المرء بجوانبها كافة مكفولة بالقوانين، والأمر كذلك في تلك البلاد الباردة. هو سبب من الأسباب التي تدفعها إلى التفكير مليّاً في الهجرة. الحياة هناك كريمة، والفئات العمريّة كلّها مشمولة بذلك، غير أنّ تركيز الشابة ينصبّ على تلك المرحلة الأخيرة من عمر الإنسان، حينما يكون الأكثر هشاشة.

لا شكّ في أنّ كلّ مرحلة من مراحل عمر الإنسان، التي يختلف تقسيمها وبالتالي عددها باختلاف النظريّات والمراجع، تستوجب شرط "الحياة الكريمة"، غير أنّ ثمّة حاجة ملحّة إلى ذلك الشرط في تلك المرحلة الأخيرة خصوصاً. والفكرة أشبه بواحد من الثوابت الراسخة في وعينا وفي لاوعينا. ربّما يعود ذلك إلى أحد دروس كتاب القراءة الأوّل في المنهاج التعليميّ المعتَمد قديماً في لبنان، والذي يعرّف الطفل/ التلميذ على مراحل عمر الإنسان بإيجاز، فيختصرها بالطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة. وبما أنّ ذلك الدرس مخصّص لمن هم في الخامسة أو السادسة من عمرهم، فإنّ رسوماته تساهم في شرح المصطلحات المؤشّرة إلى تلك المراحل، كلّ واحد على حدة. بالنسبة إلى الشيخوخة، الرسومات ذات الصلة هي لرجل عجوز أو امرأة عجوز أو الاثنَين معاً، ومن حولهما أحفاد. وانطبعت الصورة في الذاكرة. هي صورة بخلفيّة ملوّنة توحي بالدفء... دفء العائلة. وكبار السنّ هم بركة العائلة. بالتالي، لا بدّ من إحاطتهم بكلّ رعاية لازمة.

في ذلك الزمن، عندما كان كتاب القراءة ذاك معتَمداً، قلّما كان الأطفال يجدون أنفسهم أمام صور مغايرة. هي صور من الواقع تتكرّر اليوم على الطرقات، لأشخاص شعرهم أبيض اللون وقد أحنت أثقال الحياة هاماتهم وخطفت ملامحَ وجوههم وابتساماتهم، يتسوّلون عند مفترق طرقات أو يكدّون لتصريف خضار وبضائع رخيصة يعرضونها على عربات خشبيّة متآكلة أو ما شابه. هؤلاء الذين نصادفهم اليوم، منذ الصباح الباكر وعلى مدى ساعات النهار والليل في أحيان كثيرة، لا يشبهون أولئك الذين صُوّروا بثياب نظيفة وابتسامات عريضة على صفحات كتاب القراءة. وتأتي الحاجة إلى الهجرة ضرورة ملحّة. هناك، في كندا، لن تقلق الشابة من فكرة تحوّلها في يوم إلى عجوز تستعطي تحت إشارة ضوئيّة.




في الأوّل من أكتوبر/ تشرين الأوّل الجاري كان اليوم العالميّ للمسنّين، وشعاره هذا العام "المساواة بين الفئات العمريّة"، فالقائمون على هذه المناسبة يسلّمون بأنّ التهميش يطاول كثيرين من هؤلاء المشمولين بمرحلة الشيخوخة التي حدّدها كتاب القراءة الأوّل. في بلدان تشبه بلادنا، من لا تحتضنه عائلته قد يجد نفسه يتسوّل شفقة تختلف طبيعتها على الطرقات، أو في دار رعاية تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة الكريمة، فتبدو الهجرة هروباً مبرّراً من مستقبل وآخرة قاتمَين ربّما.