شوارع مصر أسواق للباعة المتجوّلين

18 يونيو 2017
الصورة
يعرضون بضائعهم في كل مكان (خالد دسوقي/ فرانس برس)
في مصر، تلاحَظ زيادة كبيرة في عدد البائعين المتجوّلين الذين يحتلون الشوارع، خصوصاً خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان. فالعيد على الأبواب، وتلك فرصة للاسترزاق

قبل أيام من عيد الفطر، تحوّلت شوارع محافظات مصر إلى أسواق كبيرة لشراء مستلزمات العيد من "الإبرة إلى الصاروخ"، من دون أيّ مراعاة لحركة الطريق والمارة. ويستخدم الباعة المتجولون مكبّرات الصوت للإعلان عن بضائعهم، من ملابس للنساء والرجال والأطفال وأدوات المطبخ ومستحضرات التجميل والإكسسوارات المختلفة والمفروشات والحقائب النسائية ولعب الأطفال وغيرها. وسط كلّ ذلك الضجيج، احتل الباعة أرصفة الشوارع العامة والجانبية على حدّ سواء ومحطات المترو، متحدّين هيبة القانون.

انتشار الباعة المتجولين في الميادين والشوارع العامة في البلاد، بات مشكلة تؤرق المجتمع المصري بأكمله وتهدد استقرار الأمن وتقضم الشوارع شيئاً فشيئاً، الأمر الذي أدّى إلى زحمة سير خانقة في معظم الميادين المهمة والشوارع الرئيسية، كأنّما الباعة "اشتروا الشارع من الحكومة" بحسب الناس. وبات هؤلاء يمثلون مأساة حقيقية بعدما وصل الأمر إلى حدّ الشجار بينهم وبين أصحاب المحلات، فهم يعملون على فرض سيطرتهم على الشوارع كأنّ ذلك حقّ أصيل لهم. من جهتهم، لا يجد أصحاب المحلات منفذاً لبلوغ محلاتهم أو إدخال البضائع إليها أو فتح طريق أمام زبائنهم.

والقاهرة من أكثر المحافظات المصرية التي احتلّ الباعة المتجولون شوارعها، لا سيما في مناطق شارع الجلاء ومنطقة العتبة وحي الموسكي وشوارع قصر النيل وطلعت حرب و26 يوليو، فيما تحوّل ميدان رمسيس وأرصفة مسجد الفتح إلى واجهة عرض كبيرة. وبات دخول المواطنين وخروجهم من محطة سكة الحديد ومحطة المترو مغامرة كبرى. كذلك، يكثر هؤلاء الباعة في شوارع المناطق الشعبية مثل المطرية وعين شمس والزاوية الحمرا وشبرا، لتنشأ خلافات بين بعضهم والبعض الآخر حول الأمكنة. إلى ذلك، ثمّة أشخاص يلجؤون إلى الإتاوات في مقابل السماح للباعة المتجولين بتخصيص قطعة أرض متر في متر أو أكثر، لعرض ما لديهم من بضائع، وسط حضور للشرطة التي تتقاسم الأموال مع هؤلاء.

لا يختلف الوضع كثيراً في شوارع القاهرة عمّا هو في الجيزة، إذ احتل الباعة الشوارع والمساحات أمام محطات المترو وداخلها، في عدد كبير من مدن المحافظة. فبات هؤلاء ملّاكاً للشوارع، بعدما وضعوا بضائعهم على الطرقات متسبّبين في إعاقة حركة السير والمارة. وهو ما أدّى إلى نشوب شجارات بين الباعة والمارة، تنتهى غالباً بجرائم متنوعة، فضلاً عن انتشار تعاطي المخدرات بين الباعة الذين يعمد بعضهم إلى الاتجار بالمخدرات، متخذاً بضاعته ستاراً لذلك.

من جهتهم، يشكو باعة متجولون من "ضيق ذات اليد" الذي دفعهم إلى الشارع وارتفاع نسبة البطالة بينهم. ويشيرون إلى أنّهم بمعظمهم يحملون مؤهلات عليا، لكنّهم اتجهوا إلى "التجارة في الشارع"، مطالبين الحكومة بتوفير فرص عمل لهم أو تخصيص أماكن بيع تكون قريبة من محطات مواصلات الأهالي وليس "في المنفى". لكنّ هؤلاء وصلوا اليوم إلى أبواب العقارات السكنية، ليطرح السؤال: هل الباعة المتجولون جناة أم ضحايا؟

في السياق، يرى خبراء في الاقتصاد أنّ الباعة المتجولين أحد أسباب انهيار الاقتصاد المصري، ويوضحون أنّ ذلك يُعَد من ضمن "الاقتصاد السري". فهؤلاء "التجار" لا يدفعون أيّ ضرائب أو فواتير كهرباء على سبيل المثال لا الحصر، في حين أن بضائعهم بمعظمها مهرّبة بدون جمارك.


يقول الخبير الاقتصادي الدكتور خيري الفقي لـ "العربي الجديد" إنّ "ظاهرة الباعة المتجولين توسعت في مصر بعد أحداث ثورة 25 يناير/ كانون الثاني من عام 2011، وذلك كنتيجة لإغلاق المصانع وتسريح عدد كبير من العمال من مصانعهم وأماكن عملهم. وهذا ما اضطرهم إلى القيام بمحاولات للبحث عن فرص عمل شريفة". يضيف أنّ "زيادة نسب الفقر بين المواطنين المصريين نتيجة ارتفاع الأسعار تأتي لتفاقم الظاهرة، فضلاً عن عدم توفّر فرص عمل وانتشار البطالة وغياب الإجراءات الأمنية". ويتابع الفقي أنّ "ثمّة أكثر من خمسة ملايين بائع متجوّل مع أفراد أسرهم في مصر، معظمهم في القاهرة وقد وفدوا من محافظات الصعيد والوجه البحري خصوصاً. بالنسبة إلى هؤلاء، فإنّ العاصمة ومحافظة الجيزة هما الأكثر مبيعاً بعكس المحافظات الأخرى. إلى ذلك، ثمّة أطفال كثيرون أصبحوا باعة متجوّلين بسبب ظروف أسرهم".

ويشير الفقي إلى أنّ "هؤلاء الباعة المتجولين احتلوا مناطق حكومية كثيرة من خلال فرش ما لديهم من بضائع علناً من دون أيّ إجرءات أمنية. ومن تلك البضائع مواد غذائية لا أحد يعرف مصدرها". ويطالب الحكومة بأن "تتخذ إجراءات عاجلة لتقنين عمل هؤلاء الباعة"، مشدداً على "ضرورة أن يكون التعامل مع قضية الباعة المتجولين بحذر، إذ إنّهم مسؤولون عن بيوت وأسر. إلى ذلك، يجب الاستفادة من جهودهم في تعزيز حجم التجارة الداخلية، ووضعهم تحت الرقابة حتى لا يتسببوا في مشاكل". وأكمل أنّ "من شأن هذا التنظيم أن يعود بالفائدة على الاقتصاد المصري من خلال ارتفاع أسهمه، وعلى الباعة المتجولين من خلال توفير فرصة عمل لهم".