سينما تونسية في مالمو: أحوال أفراد

04 أكتوبر 2019
الصورة
"في عينيا" لنجيب بلقاضي (الملف الصحافي للفيلم)
اختيرت السينما التونسية "ضيف شرف" الدورة التاسعة لـ"مهرجان مالمو للسينما العربية"، المُقامة في هذه المدينة السويدية، بين 4 و8 أكتوبر/ تشرين الأول 2019. هذا تقليد ترغب إدارة المهرجان في اعتماده سنويًا. اختيار سينما دولة عربيّة لإضاءة جوانب منها، عبر أفلام مُنتجة حديثًا، وندوات ولقاءات واحتفالات. هناك اتفاق (بروتوكول) موقّع بين محمد قبلاوي، مؤسّس المهرجان ورئيسه، وشيراز العتيري، مديرة "المركز الوطني التونسي للسينما والصورة". اتفاق ينصّ على عرض 5 أفلام طويلة و4 أفلام قصيرة، بالإضافة إلى ندوتين، أولى (عامة) بعنوان "السينما التونسية بين الماضي والحاضر"، وثانية (خاصة بالمشاركين في سوق وملتقى المهرجان) حول نشاط المركز. هناك أيضًا معرض ملصقات كلاسيكية تروي تاريخ السينما التونسية.

الأفلام المختارة مُنجزة كلّها عام 2018، باستثناء "بورتو فرينا" لإبراهيم لطيف، المُنجز عام 2019. يروي الفيلم حكاية علي، العائد إلى بلده بعد غياب، ليتزوّج قريبة له موعودة به منذ زمن. لكن عودته تلك منبثقة من اكتشافه أنّ صديقته الفرنسية عاقر. في بلده، لن تمرّ الأمور بسلام وهدوء، إذْ تظهر تدريجيًا مسائل معلّقة، وتفاصيل آنيّة. رغم أنّ "بورتو فرينا" أحدث إنتاجًا، اختير "في عينيا" لنجيب بلقاضي لافتتاح الدورة التاسعة هذه. فيه عودة أيضًا، ومن فرنسا نفسها. لكن الأسباب والتفاصيل تختلف كلّيًا بينهما. فالصديقة الفرنسية للطفي حامل، وعودته إلى بلده ناتجة من إلحاح عائليّ عليه للاهتمام بوحيده المُصاب بالتوحّد، بعد تعرّض الأم لمُصاب مرضيّ يُلقيها على سرير أبيض في مستشفى، غائبة عن الوعي. لطفي يتخلّى عن الزوجة والابن بسبب التوحّد. عودته اغتسال وتطهّر، تدفعه إلى عيش تجربة قبول الآخر، والمصالحة مع الذات، وتصفية الحسابات. هذه المفردات لن تحول دون سلاسة سرد سينمائيّ، مفتوح على جمالية إعادة ترتيب العلاقة بين أب وابنه.




في "فتوى" محمود بن محمود، عودة إلى البلد أيضًا. إبراهيم الناظور يعود لدفن ابنه، المتوفى إثر حادث سير. لكن العودة تفتح أبوابًا مغلقة أمام الأب وعائلته، وتؤدّي إلى مواكبته أوضاعًا مرتبكة في بيئة تعيش صراعًا بين تشدّد ديني وليبرالية، وبين الحضور العلني للمرأة ورفض هذا الحضور. يكتشف إبراهيم أنّ أصولية دينية تتسلّل بخفر إلى نفوس وعقول، كما هو حاصل مع ابنه الراحل. يواجه هذا كلّه بطريقته، فهو ربما يكون مؤمنًا لكنه غير متشدّد وغير متزمّت وغير أصوليّ.

الروائي الطويل الأخير، "دشرة" لعبد الحميد بوشناق، مختلفٌ تمامًا. هذا فيلم رعب، يستوحي قصّته من أحداثٍ واقعية. "دشرة" بيئة يُقيم فيها أناسٌ منعزلون عن العالم، والعالم هنا مقصودٌ به تونس وغيرها. بيئة صغيرة جدًا وضيّقة جدًا ومنعزلة جدًا. تعيش وفق قواعد خاصة بها، تمامًا كجماعات منتشرة في أصقاع الدنيا، تريد ابتعادًا عن سلوك وعيش غير ملائمين لأهواء أناس منخرطين فيها (الجماعات). تصل ياسمين ورفيقاها وليد وبلال إلى تلك البقعة الجغرافية، لإجراء تحقيق جامعي غير مألوف، بحسب المطلوب منهم. يكتشفون هناك أحوالاً وحالاتٍ، ومفاجأة تتمثّل بعلاقة ياسمين بإحدى المقيمات في تلك البيئة. أخيرًا، هناك وثائقيّ طويل بعنوان "ع السكّة" لأريج سحيري. اشتغال بصريّ على أزمة واقعية يعانيها تونسيون كثيرون، يستخدمون القطارات في تنقّلاتهم اليومية. فالسكك الحديدية تعاني مشاكل خطرة، والسلطات غير آبهة، ومكتشفو الفضائح يتعرّضون لنبذٍ لن يحول دون استكمالهم عملهم في فضح المستور.

في المقابل، هناك 4 أفلام روائية قصيرة تلتقي عند معاينتها وقائع عيش في بلدٍ يعاني أبناؤه مصائب وتحدّيات. فـ"الهدية" (20 د.) للطيفة دوغري يعكس ارتباك علاقة زوجية، عبر سرد تفصيلي لمكامن الخلل، وليوميات الزوجين. و"بطيخ الشيخ" (22 د.) لكوثر بن هنيّة يُعرّي شيئًا من فساد داخل بيئة دينية واجتماعية، عبر كشف صراع قائم بين رجلي دين واتّهامات باطلة بانتماء إلى أصوليين، وعبر احتيال أفراد يساهمون في كشف المزيد عن اهتراء تلك البيئة. و"إخوان" (25 د.) لمريم جوبار يتابع سيرة أصولي يعود إلى عائلته وبلدته مصطحبًا زوجة حاملاً، فيزداد الانشقاق بينه وبين والده. أما "رقصة الفجر" (15 د.) لآمنة نجار، فيُرافق راضية في رحلة انتظارها العصيب للحصول على كُلْيَة من متبرّع، يعينها على الخلاص من فشل كلوي يُرهقها.

دلالات