سياحة المغامرة في الأردن... هذه أسباب وقوع فاجعة البحر الميت

11 نوفمبر 2018
الصورة
جانب من عمليات البحث عن الضحايا (فرانس برس)

في الثامن عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، وقبل الموعد المحدد بأسبوع، أرسلت مدرسة "فكتوريا الخاصة" الأردنية، كتب موافقة لأولياء أمور الطلبة المشاركين في رحلة كانت مقررة إلى "جوردان فورست بارك" (منتجع لممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية في عمّان)، لممارسة ألعاب تحدِ ومغامرة مخصصة للأطفال في مكان مغلق، لكن ذوي الطلبة المشاركين فوجئوا بوصول بلاغ جديد من مسؤولة النشاط في المدرسة بتاريخ 23 أكتوبر، يفيد بتنظيم رحلة تعليمية ترفيهية بعنوان "سفاري الأردن" إلى وادي زرقاء ماعين في منطقة البحر الميت جنوباً، كما بيّن سائد الصعوب، والد الطفل عمر الناجي من  كارثة جرف السيول في 25 أكتوبر الماضي لطلاب كانوا في رحلة مدرسية راح ضحيتها 21 من بينهم 14 طفلا، فيما أصيب 35 آخرون في منطقة البحر الميت.

وتعد التغييرات المفاجئة السابقة جزءا بسيطا مما تكشفه السطور التالية من سلسلة مخالفات أدت إلى وقوع "الكارثة" كما وصفها الأهالي.




موافقة على وجهة أخرى

خاطبت إدارة المدرسة مديرية التربية والتعليم للموافقة على رحلة إلى وجهة مغايرة تماماً كما يكشف الكتاب رقم (م/ف/ص،616/56) الصادر من مدرسة فكتوريا بتاريخ 21 أكتوبر أن وجهة الرحلة المنوي تنفيذها في نهاية الأسبوع هي وادي الأزرق (الواقع بين مدينتي السلط والفحيص شمال غرب عمّان)، وحصلت على الموافقة بناء على ذلك، بينما كانت تجري الترتيبات لرحلة إلى زرقاء ماعين.

وفي صبيحة يوم الخامس والعشرين، انطلقت الرحلة الطلابية باتجاه الوادي، بمشاركة طلبة من المرحلة الأساسية تراوحت أعمارهم بين 11 و14 عاماً فقط، لخوض مغامرة تعلّم الطلبة التعايش مع البيئة، والتعامل مع الظروف المحيطة، بحسب ما أظهر برنامج الرحلة الذي أرسلته المدرسة إلى ذوي الطلبة المشاركين، والذي أعدّ بالتعاون مع شركتي "جوردان إيكو" و "جوردان زون" الواردة بياناتهما في البرنامج وفق ما وثقته معدة التحقيق.

يقول والد عمر "لم أدرك مدى خطورة الرحلة إلى وادٍ مائي كزرقاء ماعين، وخاصة أن التجهيزات كانت معدة للذهاب إلى جوردان فورست، وتغيّر المسار فجأة". ويضيف "تحت إلحاح عمر لم أتنبّه إلى طبيعة المغامرة المقررة، فلو تنبهت لتغير تفكيري كلياً تجاه الرحلة، فالبرنامج يظهر أنها مغامرة سرعة داخل الوادي، مع توفير معدات السلامة العامة، وفي الحقيقة لم يكن الأمر كذلك"، كما يقول الصعوب.

وعاشت عائلة الطفلة سارة المتوفاة في الحادثة القلق ذاته تجاه وجهة الرحلة، وخاصة مع تزايد التحذيرات بشأن منخفض جوي قادم، ما جعل الوالد يخاطب المدرسة طالباً إرجاء الرحلة أو إلغاءها، لكنّ المديرة اعتبرت إن إلغاء ترتيبات الرحلة صعب، وأكدت لهم أن الخروج من منطقة الوادي سيكون قبل تساقط الأمطار، ما خفف قليلاً من تخوف العائلة، بالإضافة إلى اطّلاعهم على برنامج معدّ من مكتب متخصص، كما كانوا يعتقدون، بحسب عدنان أبو سيدو، والد سارة.

ثلاث من أسر الطلبة الذين شاركوا في الرحلة وقابلتهم "العربي الجديد"، لم يتوقعوا أن تخرج الرحلة عن الإطار المعهود لرحلات الأطفال، خاصة، أن المدرسة سبق أن نظمت رحلات تحت مسمّى المغامرة، وشملت أطفالاً في السادسة والسابعة من عمرهم، لكنها كانت في أماكن مخصصة للأطفال تقيم ألعاب تحدّ ومغامرة، كتسلق جدار فلينيّ، وركوب الدراجات الهوائية، بحسب روايات الأهل.


وتعد سياحة المغامرة، نمطا ناشئا في الأردن، أدرجته وزارة السياحة والآثار الأردنية في استراتيجيتها ضمن ستة أنماط من السياحة التي تعمل على تشجيعها في المملكة، في عهد وزيرة السياحة المستقيلة لينا عنّاب، وتمارَس في أماكن محددة كالصحراء والجبال والأودية، وأصبح هناك شركات متخصصة بتنظيم هذه الرحلات لهواة المغامرة، كما أقيم أول مؤتمر لسياحة المغامرات بالأردن في مايو/أيّار عام 2017.

وفي تصريحات صحافية عقب حادثة زرقاء ماعين، قالت عنّاب، مساء الخميس، إن تعليمات خاصة تصدرها الوزارة تنظّم هذا النوع من السياحة، ولا يسمح بممارستها لمن هو دون الثامنة عشرة، فيما راجت نشاطات المغامرة حديثا بين مدارس المملكة، رغم انطوائها على معدل عال من الخطورة لا يتناسب وأعمار الطلبة، بحسب حديث الدليل السياحي ورئيس جمعية الأدلاء السياحيين الأردنيين حسن عبابنة، المطّلع على حركة الرحلات في الجنوب، علماً أنها مخالفة لتعليمات وزارة التربية والتعليم التي تمنع تنظيم رحلات مدرسية إلى أماكن مائية أو خطرة.



رحلات المغامرة مخالفة للتعليمات

تحظر المادة السادسة الواردة في الصفحة الثالثة من تعليمات الرحلات والزيارات المدرسية رقم (7) لعام 2008 أي رحلات إلى الغابات والأحراج، ومدن الملاهي، والمجمعات التجارية، والسيرك، وأماكن السباحة، وقد ثبتت مخالفة المدرسة لهذه المادة بتنظيمها رحلة إلى وادي زرقاء ماعين الذي تتدفق إليه المياه من كل حدب وصوب، استناداً إلى التعليمات.

ولم تكن مدرسة فكتوريا الوحيدة التي وجدت في منطقة ماعين يوم الحادثة، إذ يؤكد الوالد عدنان أبو سيدو، عضو لجنة التحقيق في حادثة البحر الميت المحايدة خلال حديثه إلى "العربي الجديد"، أن خمس مدارس اتجهت إلى ماعين في رحلة طلابية ذلك اليوم، لكنّ غالبية الرحلات قضت ساعة من الوقت فقط في المكان وانتقلت إلى منطقة أخرى، بينما نزل طلبة "فكتوريا" إلى مجرى الوادي، وساروا فيه.

لكن أمين عام وزارة التربية والتعليم محمد العكور يرفض تحميل الوزارة المسؤولية تحت ذريعة لجوء بعض المدارس إلى التلاعب، حيث تحدد وجهة معينة توافق عليها الوزارة، بينما تسيّر الرحلة إلى أماكن أخرى، أو تغير مسار الرحلة على مسؤوليتها، وفقاً لقوله.

وعن رحلة "فكتوريا" يشير إلى أن الوزارة منحت الموافقة على طلب رحلة لزيارة الآثار في منطقة الأزرق (شرق العاصمة)، ولم تطلع على برنامج الرحلة المفصل الذي يبين خط المسير من عمان إلى وادي زرقاء ماعين، ويقول خلال مقابلة مع "العربي الجديد": "لو أرفقت المدرسة برنامجها لما حصلت على الموافقة، لأن التعليمات صارمة، وتمنع الرحلات المدرسية إلى الأماكن الخطرة وأماكن السباحة"، ورفضت مدرسة فكتوريا الردّ، متذرعة بأن القضية قيد التحقيق.

ويبيّن الكتاب الذي أرسلته المدرسة إلى وزارة التربية والتعليم / مديرية لواء الجامعة في محافظة العاصمة قبل موعد الرحلة بخمسة أيام أنّها ستنظم رحلة إلى "وادي الأزرق"، وحصلت على الموافقة حسب ما يبين الكتاب الصادر عن المديرية، والذي يحمل الرقم 27/12، عدم الممانعة من تنفيذ الرحلة المحدد مسارها من عمّان إلى وادي الأزرق، رغم أن المدرسة خالفت التعليمات الواردة في الفقرة (و) من المادة السابعة من تعليمات الرحلات والزيارات المدرسية، والتي تنص على "أن ترفع المدرسة طلب الموافقة على الرحلة أو الزيارة قبل موعدها بأسبوعين، حسب النماذج المعتمدة"، إذ تقدم المدرسة من خلال هذا النموذج المعلومات المتعلقة بوجهة الرحلة، وأهدافها، ومرافقيها، وأسماء الطلبة وعددهم، بالإضافة إلى برنامج وخط سير الرحلة، ولا تصدر أي موافقة من دون تلك المرفقات.


ويمرّ طلب أي رحلة مدرسية عبر سياق محدد، إذ يرفع الطلب من قبل مدير المدرسة إلى المديرية التي تتبع لها قبل موعد الرحلة بأسبوعين، وتتولى المديرية مخاطبة الوزارة، وإرسال كتاب ردّ للمدرسة بالموافقة أو عدمها، ما يعني أن المديرية المذكورة خالفت آلية قبول الطلب والموافقة عليه أيضاً.

ويظهر النموذج المخصص للرحلات، الوارد للمديرية من قبل إدارة فكتوريا في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، أنّ الغاية من الرحلة هي زيارة الأماكن الأثرية في وادي الأزرق، وغيرت المسار خلافا للفقرة (ه) من المادة العاشرة في التعليمات.

واحتوى النموذج على أسماء الطلبة الثلاثين، واسم المعلم المرافق، وبمقارنة ما ورد في النماذج التي حصلت عليها معدّة التحقيق، يتبين أنّ الأسماء المدرجة ليست للطلبة المشاركين الذين قضى منهم 14 طالباً في الحادثة، ولم تلتزم الإدارة بالعدد والأعمار المعلن عنها في النماذج، وهو ما يتطابق مع النتائج التي توصلت إليها اللجنة النيابية التي شُكلت للتحقيق في الحادثة.



وكشف تقرير لجنة التحقيق النيابية أن المدرسة نظمت الرحلة بالتعاقد مع شركتين سياحيتين، من دون إخبار مديرية التربية وأخذ موافقتها، ولم تتحقق من صلاحية الرخصة الممنوحة لهما، كما أظهر التقرير الذي تسلمت العربي الجديد نسخة منه.

ويحمل البرنامج شعار (جوردان إيكو)، التي لا تملك شهادة مزاولة من وزارة السياحة، وليس من غاياتها ممارسة النشاطات السياحية، وبالتدقيق في قائمة مكاتب السياحة والسفر المنشورة على الموقع الإلكتروني لهيئة تنشيط السياحة الأردنية، لم تجد معدّة التحقيق اسم "جوردان إيكو" ضمن القائمة.

أما الشركة الثانية (نطاق الإبداع)، فهي شركة سياحية مرخصة، لكن لم يظهر اسمها خلال تنظيم الرحلة، ولم يعلم ذوو الطلبة بها وفقاً لتأكيداتهم، وأدرجت بياناتها على برنامج الرحلة بشكل خاطئ.

وبعد تقصٍ وبحث، وجدت معدة التحقيق أن الاسمين وجهان لمنظمة واحدة، تقدم نفسها عبر الموقع الإلكتروني http://jordanecho.com أنها شركة متخصصة بتنظيم برامج التدريب والترفيه في الهواء الطلق للمدارس والشركات والأفراد من كلّ الأعمار، كما تقوم بتنظيم رحلات المغامرة والاكتشاف التي تستهدف جميع الفئات العمرية.

وكشف نائب رئيس لجنة التحقيق النيابية، النائب إبراهيم البدور، لـ"العربي الجديد" أن شركة "جوردان إيكو" أوقفتها وزارة السياحة عن العمل قبل ثلاث سنوات لارتكابها مخالفات تتعلق بممارسة سياحة المغامرة، فأسس المالك ذاته شركة أخرى باسم "creative zone" للرحلات السياحية، وباتت الشركتان تعملان معاً كجسم واحد، ولم تمتنع "جوردان إيكو" عن تنظيم رحلات المغامرة رغم تعهدها بعدم مزاولة السياحة عقب إيقافها عن العمل.

ويظهر العقد الذي وقعته المدرسة مع الشركة، وتم تقديمه للجنة التحقيق النيابية وجود شعاري المكتبين المذكورين أعلى نسخة العقد، بحسب البدور، بينما ظهر شعار "جوردان إيكو" فقط على برنامج الرحلة المرسل لذوي الطلبة.



احتياطات السلامة والأمان غائبة

يظهر برنامج رحلة المغامرة الذي أعد بالشراكة بين مدرسة فكتوريا ومكتبين سياحيين أنّ جميع معدات وشروط السلامة العامة متوفرة، علماً أنهما لم يزودا الطلبة بأي أدوات للحفاظ على سلامتهم كالخوذ الواقية أو سترات النجاة والحبال، كما يؤكد (سائد الصعوب) والد الطفل عمر الناجي من الحادثة، ووالد سارة (عدنان أبو سيدو).

الصعوب يوضح أنّ المدرسة أوصت الطلبة المشاركين في الرحلة بإحضار حذاء إضافي فقط لانتعاله بعد الصعود من مجرى الوادي، على اعتبار أن القائمين على الرحلة سيتكفلون بتوفير معدات السلامة للطلبة، لكنهم أخلّوا بتعهدهم.

ويؤكد أبو سيدو والصعوب أن الطلبة لو ارتدوا الخوذ الواقية على الأقل، لكانت الأضرار والوفيات أقلّ حتماً، لكنّ المرافقين لم يوفروا أيّاً من معدات السلامة والأمان.


رئيس جمعية الأدلاء السياحيين حسن عبابنة يؤكد أن هذه المغامرات لا تناسب طلبة المدارس، فالوجهات المقصودة هي عبارة عن أماكن صخرية وعرة ومائية تحتاج إلى بنية قوية وأشخاص بالغين للنزول فيها وليس أطفالاً صغاراً، مشيراً إلى صعوبة المسير في وادي زرقاء ماعين تحديداً، وهناك مناطق من الوادي تصنف على أنها خطرة جدا وتعرض حياة داخليها للخطر، فالأَولى ألا يصلها السياح المحليون أو الأجانب حفاظاً على حياتهم، مبيناً أنه "كدليل متخصص، يحفظ جغرافية المنطقة، ويعرف جيداً المناطق التي يدخلها برفقة المجموعات السياحية، والمناطق التي يجب تجنب الوصول إليها لما فيها من خطورة".

ومن بين 25 وادياً مائياً في جنوب المملكة، يؤمها السياح والمواطنون، يصنف وادي زرقاء ماعين من ضمن الأودية الخطرة التي يصعب فيها المسير، وتشير إلى ذلك لوحات تحذيرية، كما أن الطريق المؤدي إليه صعبة جداً، لذلك عممّت الوزارة باستثنائه من الجولات السياحية، يقول عبابنة، مؤكداً أن الدليل السياحي المؤهل يستند إلى خبرته ليعرف أين يتجه، ويقدّر مدى ملاءمة الطقس لاستكمال الرحلة، مشيراً إلى أنه ألغى الجولات المقررة إلى وادي الموجب التي كانت مدرجة على برنامجه والأدلاء الذين يعملون برفقته يوم الخامس والعشرين المشهود، لتيقنه من وجود خطر تشكل السيول بعد هطول الأمطار الغزيرة، مما يعرض حياة المجموعات السياحية للخطر.

وبحسب التعليمات المتعلقة برحلات المغامرة التي تصدرها وزارة السياحة للمكاتب والشركات، وحصلت معدّة التحقيق على نسخة منها، يتوجب أن تنظم هذه الرحلات للمجموعات السياحية بتنسيق مسبق مع الجهات المعنية كالمحافظة، والشرطة السياحية، ومديرية السياحة، على أن يرافق كل مجموعة لا يتجاوز عددها 18 شخصاً دليل مرخص متخصص بسياحة المغامرة، وعلى معرفة تامة بطبيعة المنطقة، بالإضافة إلى مسعف ومنقذ، مع توفير وسائل الدعم اللوجيستي كافة حفاظاً على السلامة العامة، ما يثبت أن المكتبين المنظّمين للرحلة المدرسية خالفا التعليمات جملة وتفصيلا.

ويكشف عبابنة أن الأشخاص الذين رافقوا الرحلة المدرسية لم يحملوا رخصة المهنة، وليسوا أعضاء في الجمعية، مؤكداً أنهم هواة يمارسون المغامرة المائية، وليس لديهم المعرفة الكافية بالمناطق، والتي تكون معروفة للأدلاء السياحيين المتخصصين والمؤهلين لقيادة المجموعات السياحية فيها. ومن جهتها، رفضت شركة نطاق الإبداع التعليق بحجة "تعرضها لهجوم كبير بعد الحادثة".

قصور رقابي

رغم الطقس السيئ والعواصف الرملية التي كانت سائدة في الأردن يوم الخامس والعشرين من الشهر الماضي، والتحذيرات التي عممتها دائرة الأرصاد الجوية في نشرة خاصة على الوزارات والمؤسسات وعبر وسائل الإعلام، لكن وزارة التربية لم تعمم على مديرياتها بإلغاء الرحلات التي كانت مقررة في ذلك التاريخ، على اعتبار أنّ مدير المدرسة هو المسؤول عن تنظيم الرحلة، كما يقول أمين عام الوزارة، مستشهداً بالمادة السابعة من تعليمات الرحلات المدرسية التي تنصّ على أنّ "مدير المدرسة مسؤول عن تنظيم الرحلات والزيارات المدرسية، بالإضافة إلى مسؤولية المشرف والمرافق"، علماً أنّ 150 رحلة خرجت من مدارس مختلفة في جميع أنحاء المملكة إلى وجهات متعددة ذلك اليوم، كما جاء خلال حديثه لـ"العربي الجديد".

لغاية اليوم، طلبة مدرستين واجهوا خطر الموت في واد مائي، لكنّ وقوع حوادث من هذا النوع لم يدفع الوزارة إلى التشدد بمنع المدارس من التوجه بالطلبة إلى أماكن خطرة، فلم تصدر أي تعليمات تتعلق برحلات المغامرة للمديريات من أجل تعميمها على المدارس، بحسب ما رصدته معدّة التحقيق.

"المدارس لا تلتزم، وحدثت أن نُظمت رحلات من دون موافقة الوزارة"، يقول العكور مشيراً إلى حادثة وقعت في أكتوبر من عام 2014، عندما قامت كوادر الدفاع المدني بإخلاء مجموعتين من طلبة المدارس الذين حاصرتهم مياه الأمطار في وادي زرقاء ماعين، إذ ضمت المجموعة الأولى عشرين طالباً، بينما كانت المجموعة الثانية مكونة من 18 طالباً، حوصروا في مياه الوادي على بعد 18 كيلومترا شرق البحر الميت، ولم تسجّل أي خسائر في الأرواح وتمّ إخلاؤهم إلى منطقة آمنة.

ووفقاً للعكور، لم تحصل تلك الرحلة على الموافقة بالاتجاه إلى وادي زرقاء ماعين، "لأنّ رحلات المغامرة غير واردة لدى الوزارة"، على حدّ قوله.

ويشير ذلك إلى تراخٍ رقابي في وزارة التربية والتعليم، وخلل إداري في تنظيم شؤون المديريات والمدارس. بحسب النائب البدور.

وخلال العامين الأخيرين، راجت رحلات المغامرات بشكل كبير، وشكلت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً أساسياً للترويج لها، وإطلاق صفحات لمجموعات أو مكاتب تنظم هذه الرحلات، وكان وادي زرقاء ماعين إحدى الوجهات الأساسية لهذه الرحلات التي تخوضها غالباً مجموعات دون دليل متخصص، بحسب عبابنة.

عدا ذلك، أبرزته المواقع الإلكترونية على أنه أحد الأماكن التي ينصح بقضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها، دون أن تصدر وزارة السياحة تعليمات عامّة أو تحذيرات بداية كلّ موسم سياحي تمنع أو تقيّد ترويج وتنظيم الرحلات العشوائية، ورداً على ذلك، اكتفى المستشار الإعلامي في وزارة السياحة والآثار الأردنية هشام العبادي بالقول إن هناك لجاناً شكلت بعد حادثة البحر الميت لإعادة النظر في رحلات المغامرات المائية بالأودية جميعها.



إيقاف المغامرات المائية شتاءً

حفاظاً على السلامة العامة، تغلق إدارات المحميات الأودية والممرات المائية أمام السائحين اعتباراً من نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول وحتى أواخر إبريل/نيسان من كل عام، وهي الفترة التي تشهد تغييرات جوية مفاجئة، تؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه وتشكل السيول في الأودية والشعاب مما يُهدد حياة مُرتادي مثل هذه المناطق، وخاصة الممرات المائية في محمية وادي الموجب، كما يوضح مدير المحمية هشام الدهيسات في مقابلته مع "العربي الجديد".

ويبين الدهيسات أن قرار الإغلاق يتم بالتنسيق بين إدارة المحمية وإدارة السياحة المحلية الموجودة فيها، وعادة يتم إلغاء الجولات السياحية بمجرد سقوط أمطار غزيرة، خوفاً من تشكل السيول التي تصل قوية إلى النقاط المنخفضة كالأودية المائية، علماً أن مياه الأمطار تحتاج من 5-6 ساعات حتى تصل من المناطق العلوية إلى الجنوب.

ويوضح أن الإغلاق قد يسبق الموعد المحدد أو يمتد لما بعد إبريل/نيسان، "وفق تقييمنا للموسم المطري الذي يختلف من سنة لأخرى، فعندما يبدأ سقوط المطر غزيرا في تشرين الأول نسارع إلى إيقاف البرامج في وادي الموجب والممرات المائية التي تُجرى فيها النشاطات، وفي العام الماضي استمر توقف البرامج حتى نهاية نيسان بسبب قوة الأمطار التي شهدتها المملكة".

ويكشف الدهيسات أن هناك أودية مائية كوادي زرقاء ماعين تشكل خطرا مثل وادي الحسا، ووادي نميرة (في منطقة البحر الميت)، جميعها غير مراقبة من أي جهة معنية، علماً أنها تتبع لسلطة وادي الأردن، ويرتادها الناس للتنزه من دون شروط، مشيراً إلى ضرورة سنّ قوانين رادعة تمنع دخول هذه الأماكن قبل وقوع ضحايا كما حدث في زرقاء ماعين.

وتختار الناس الذهاب لهذه الأودية كونها مجانية، أو تنظم مكاتب غير نظامية رحلات إليها لمضاعفة الكسب، إذ تحصل على مبالغ مالية من المشاركين دون الحاجة لدفع رسوم دخول إلى هذه المناطق المفتوحة. بحسب مدير محمية الموجب.

ويؤكد الدهيسات أن هناك تعليمات صارمة لدخول الممرات المائية أهمها السنّ القانونية، أي ألا يقلّ عمر الشخص عن 18 عاماً، وأن يكون قادراً على السباحة ولا يخاف المرتفعات، ثم يطّلع الزائر على شريط مصور يبين المسار الذي سيسلكه، بعد ذلك، يوقع تعهداً بمسؤوليته عن قراره بدخول هذه المناطق قبل بدء رحلة المغامرة.

وتختلف صعوبة الممرات المائية والجافة من عام إلى آخر، لذلك هناك تعليمات جديدة كلّ موسم، وهذا ما يجهله الهواة الذين يقودون رحلات في أودية مائية مفتوحة، كما يقول الدهيسات، مؤكداً وجود منقذ ثابت في بعض النقاط من وادي الموجب لخطورتها، وهذا لا يتوفر في وادي زرقاء ماعين ونميرة والحسا.

دعاوى قضائية

أكد ذوو الطلبة المشاركين في رحلة البحر الميت الذين تواصلت معهم معدة التحقيق أن أولياء أمور الطلبة جميعهم قدموا شكوى لدى مكتب مدّعي عام عمّان بحق كل جهة ثبتت إدانتها في القضية.

وقال أبو سيدو إن المدعي العام باشر برفع القضية الجزائية لمحاسبة المتهمين بناء على قانون العقوبات الأردني، بينما تهمّ عائلة الطفلة المتوفاة سارة أبو سيدو برفع قضية مدنية بحقّ كلّ شخص مدان، وفقاً لقانون أصول المحاكمات المدنية، وذلك حالما تنتهي القضية الجزائية.

وتسري الإلزامات المدنية المنصوص عليها في المادة (43) من قانون العقوبات الأردني المعدّل رقم (8) لعام 2011 على العطل والضرر، ويُحكم بها بناء على الادعاء الشخصي، ولا ينحصر الضرر بالجانب المادي فقط، بل يشمل الضرر الأدبي أيضاً، وفقاً للمحامية هالة عاهد.

دلالات