سوريون عالقون بين الجزائر والمغرب... معاناة في الصحراء

28 ابريل 2017
الصورة
زوزفانة السورية ولدت على الحدود بين المغرب والجزائر(العربي الجديد)

على الحدود الجزائرية المغربية ولدت الرضيعة السورية زوزفانة في الصحراء مساء الأحد الماضي، قرب جبل "تاغلا"، في ظل ظروف جوية قاسية ودرجة حرارة تعدت الأربعين مئوية، بعد أن علقت والدتها رفقة 54 لاجئاً ولاجئة من محافظة إدلب السورية، بينهم شيوخ وأطفال ينقسمون إلى مجموعتين، الأولى تقيم في وادي زوزفانة وعددها 41 شخصاً، فيما تضم المجموعة الثانية الموجودة في منطقة أزغديس 13 شخصاً، وتقع المنطقتان بين مدينتي بني ونيف الجزائرية (تتبع ولاية بشار، جنوب غرب)، وفكيك (يطلق عليها كذلك فجيج) المغربية (شرقاً).

فاجأ المخاض والدة زوزفانة مباشرة بعدما تم نقلها إلى المنطقة الحدودية، ما اضطرها إلى وضع مولودتها في الصحراء وسط عواصف الغبار ومن دون مأوى، بمساعدة لاجئة أخرى تواصلت هاتفياً مع نشطاء من مدينة فكيك، أمدوها بمعلومات حول كيفية توليد صديقتها اللاجئة، بحسب ما رواه لـ"العربي الجديد"، الناشط المغربي جعفر بنطالب، والذي يتساءل عن مصير هؤلاء اللاجئين، وخاصة سلامة المولودة زوزفانة في خضم طقس حار، وفي صحراء قاسية التضاريس، ودون طعام صحي تحتاجه الأم لاستمرارية حياة المولودة.

بداية المعاناة

في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي وصل لاجئون سوريون إلى حي بغداد في مدينة فكيك، ما أثار دهشة وفضول السكان، قبل أن يعلموا أنهم نازحون سورين من خلال لهجتهم المختلفة وسحنتهم البيضاء المتعبة، بحسب ما رواه عمر الفكيكي، أحد أبناء منطقة فكيك التي تبعد عن مدينة وجدة شرقي المملكة بحوالي 384 كلم.

وطرق عدد من اللاجئين، خاصة من النساء اللائي كن برفقة أطفالهن، أبواب أهل المدينة وطلبن المساعدة والاختباء، بينما صاحت أخريات بأعلى صوتهن متحدثات عن الأسباب التي جعلتهم مشردين في الأرض لا يقبلهم أحد، كما قال الفكيكي مسترسلا بأن لاجئة كانت تصيح  بالقول "لا نحتاج إلى الأكل والشرب، نحتاج إلى الحياة بكرامة، بلادنا دمرت بسبب الحرب في الشام التي أشعلها بشار الأسد".



وعمل الناشط والكاتب حسن بنعمارة وعدد من أبناء وسكان فكيك على مساعدة الأسر السورية وتوفير الطعام والشراب والدواء للعائلات، قبل أن تعمد السلطات المغربية إلى حمل اللاجئين إلى "مخيم" قرب الحدود، ليجدوا أنفسهم محاصرين بين حرس الحدود الجزائري والمغربي.

ويقتات اللاجئون السوريون على مساعدات غذائية تصلهم من سكان المنطقة بطرق صعبة وسرية أيضا، بسبب رقابة وأعين الجنود، إذ إن المنطقة التي يوجدون فيها تعد عسكرية يمنع الولوج إليها، حسبما أورد المتحدث ذاته، يضيف "تعيش هذه المجموعة من اللاجئين السوريين في وضعية صعبة، إذ لا تتوفر لديهم خيام ولا أغطية، كما أن البعوض والأفاعي تنتشر في المنطقة الخلاء التي يوجدون فيها، علاوة على ارتفاع درجات الحرارة، واللاجئون معرضون للجوع وعواصف الغبار باستمرار".


تضارب الروايات الرسمية

تتهم الرواية الرسمية المغربية السلطات الجزائرية بتعمد تسهيل عبور اللاجئين السوريين إلى الأراضي المغربية من أجل وضع الرباط أمام الأمر الواقع، ونشرت قناة "ميدي 1 تي في" الإخبارية الخاصة، صوراً تظهر ما قالت إنه "إرغام الجنود الجزائريين اللاجئين السوريين المعنيين على عبور الحدود في اتجاه مدينة فكيك، بطريقة لا إنسانية" وفق وصف وزارة الخارجية المغربية.


وأبلغت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، سفير الجزائر في الرباط عن "القلق البالغ للسلطات المغربية إثر محاولة 54 مواطناً سورياً، الدخول بشكل غير شرعي، انطلاقا من الجزائر، إلى المغرب على مستوى المنطقة الحدودية لمدينة فكيك".

وأكد بلاغ للوزارة أنه "تم إطلاع سفير الجزائر بالرباط على شهادات وصور تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء اللاجئين السوريين عبروا التراب الجزائري قبل محاولة الدخول إلى المغرب". وأبرز الجانب المغربي أنه نظراً للظروف المناخية الحالية وطول المسافة، لم يكن بإمكان هؤلاء الأشخاص التنقل عبر التراب الجزائري من دون أن تكون السلطات على علم بذلك أو تعترض سبيلهم.



على الجانب الآخر من الحدود بين البلدين الجارين، استدعت وزارة الخارجية الجزائرية السفير المغربي حسن عبد الخالق، مستغربة ما سمته "ادعاءات المغرب التي لا ترمي سوى للإساءة إلى الجزائر التي اتهمت بفظاظة بممارسات غريبة عن أخلاقها وتقاليد الكرم والضيافة التي تتميز بها".

وزادت في بيان صحافي "تم لفت انتباه الطرف المغربي إلى أن السلطات الجزائرية المختصة لاحظت في منطقة بني ونيف، التي تتبع ولاية بشار، يوم 19 إبريل/نيسان الجاري عند الساعة 3.55 صباحاً محاولة طرد نحو التراب الجزائري، لـ 13 شخصاً بينهم نساء وأطفال قادمون من التراب المغربي". وأضافت "لوحظ خلال نفس اليوم عند الساعة 3.30 دقيقة مساءً في المركز الحدودي نفسه نقل 39 شخصاً آخر، بينهم نساء وأطفال عبر موكب رسمي للسلطات المغربية بقصد إدخالهم بطريقة غير شرعية إلى التراب الجزائري.

وردّ وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة مجدداً على الاتهامات المغربية، قائلا في تصريحات صحافية "هذا الموضوع إنساني حساس ودقيق، ولا يجوز إطلاقاً المتاجرة بمأساة اللاجئين والأشقاء السوريين".



ضحايا النزاع السياسي

وأُغلقت الحدود بين المغرب والجزائر بعد تفجيرات مراكش عام 1994، إذ فرض الملك الراحل الحسن الثاني على الجزائريين التأشيرة لدخول المغرب وردت عليه الجزائر بغلق الحدود البرية بحجة أن قرار فرض التأشيرة "جاء أحادي الجانب".

ويتهم الدكتور عبد الرحيم منار اسليمي، رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، الجارة الشرقية للمملكة، بالعمل طيلة السنوات الماضية على محاولة إغراق المغرب بلاجئين أفارقة وسوريين، على حد قوله.

وقال الخبير اسليمي في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، إن السياق الذي يأتي فيه الحدث الأخير المرتبط بجمع لاجئين سوريين من طرف الجزائر ورميهم قرب منطقة فكيك المغربية مختلف هذه المرة، وله تفسيران اثنان، الأول محاولة الجزائر خلق توتر مع المغرب لتشتيت الأنظار عما يجري من صعوبات في تدبير مسلسل انتخابي، وأما التفسير الثاني، فيتمثل في محاولات الاختراق الجزائري للتراب المغربي، وتهديد أمنه القومي عن طريق اللاجئين السوريين" وفق تعبيره.



وهو ما ردت عليه سعيدة بن حبيلس الوزيرة السابقة للتضامن الوطني ورئيسة الهلال الأحمر الجزائري قائلة لـ"العربي الجديد"، هؤلاء اللاجئون عالقون داخل أراض مغربية وليسوا عالقين على الحدود المغربية الجزائرية". وتابعة بلهجة غاضبة "نتأسف، وثائرة بشدة، لاستغلال المأساة الإنسانية للاجئين السوريين لأغراض سياسية".