سورية: فسيفساء من نوع آخر

15 يناير 2018
يبدو أن الحرب المتعددة الأطراف في سورية بوصفها مركزا للكثير من القوى الصغيرة والكبيرة المؤدلجة بالعالم، ساهمت مركزيّا بشرخ الطبيعة التعددية المميزة للشعب السوري نتيجة التقهقر الاجتماعي الاقتصادي والأمني الآخذ بالتغلغل.

فالوقائع تشير إلى أن ما يحصل بسورية شبيه بحرب عالمية مصغرة تستمد قواها من تأزم القيم السياسية العالمية، وشكل هذه الحرب تأطر عبر فئات ذات طابع مليشيوي مدعومة إقليميا ودوليا لغايات مصلحية بحتة تحت مسمى "التنظيمات الجهادية".

ولعل التساؤل الجلي والواضح على مستوى الأحداث الجارية يتمحور حول إمكانية تقبّل غالبية فئات المجتمع السوري من كافة الطوائف والأطراف المعنية بالصراع بعضها البعض نتيجة ظروف الحرب، الأمر الذي يقودنا إلى التفكير في كيفية ردم الخلاف المرحلي الحاصل بين فئات المجتمع ومنعه من أن يتحول إلى خلاف متجذر يصعب خلاله خلق حالة تعايش طويل الأمد بعد انتهاء الازمة.


في سياق متصل، نجد أن تعالي السياسة العالمية وتقوقع نظرتها من زاوية أن تظل هناك دول مغلوبة على أمرها ودول كبرى أخرى متحكمة بالاقتصاد ومتعيشة في كثير من الأحيان على الدول الضعيفة.

كما أن الاستراتيجية بعيدة المدى للدول الكبرى، كالولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، تتغذى على هذا الشكل المزري من التفرق المحلي كالحاصل في سورية، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، فإن الأداء الباهت للدول المعنية بالشأن السوري وتراخيها ومطالبتها بشعار الحل السياسي كـ"مانشيت" ثابت دون الولوج عمليا لصلب المشكلة التي يتحمل غالبية وزرها النظام السوري، يوحي واقعيا بحقيقة ما سلف، وأكثر من مرة تم الاعتراف من قبل مسؤولين أميركيين وبريطانيين بسياساتهم الخاطئة تجاه سورية واعترافات وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بخطأ سياسات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بخصوص تعامله مع الملف السوري في كتابها "خيارات صعبة" خير دليل على ذلك.

ولن يكون مؤتمر سوتشي المزمع عقده قريبا في الأراضي الروسية، آخر المؤتمرات حسب التداعيات الآخذة في التصاعد والتشابك أكثر فأكثر، فسلسلة مؤتمرات جنيف ما زالت ماثلة أمام أعين السوريين مثالاً للشلل السياسي.

أما بالنسبة لروسيا، فموقفها المستميت الداعم للنظام السوري لا لبس فيه استنادا إلى عقلية النظام الروسي الرافض بشكل مبدئي لأي حركة تمرد ضد السلطة القائمة في موسكو وكيفية تعامل سلطات الكرملين مع المعارضة في روسيا خير دليل على ذلك.

وبالعودة للمجتمع السوري الأكثر تضررا من الإدارة الأممية للأزمة، فقد انكشفت أمامه هشاشة الجانب الإنساني لدى المجتمع الدولي على حساب البراغماتية شديدة الحذر والنفعية بينما البلاد تتفكك وتتناحر بين فصائل هنا وفصائل هناك بالرغم من كل الجهود المبذولة من قبل المنظمات الدولية الراعية لحقوق الإنسان بعد أن كان أحد أهم أهداف الحراك السوري محاولة خلق حالة انتماء من نوع مختلف قائم على الوعي الشعبي بدلا من فرض الحالة الأمنية البوليسية التي كانت سببا في تفشي الخوف لدى معظم السوريين سابقا، أي قبل الثورة.