سنا اليازجي لـ"العربي الجديد": أخاف أن يمحي التاريخ الآثار الإبداعية للثورة السورية

15 يناير 2018
الصورة
نؤرشف الأعمال الفنية التي تتحدّث عن الثورة (العربي الجديد)
أطلق موقع "الذاكرة الإبداعية للثورة السورية" بالتعاون مع مؤسسة "فريدريش إيبرت"، كتاباً بعنوان "قصة مكان قصة إنسان"، في مقر "دواوين" الثقافي، في العاصمة اللبنانية بيروت. ويحاول الكتاب أن يوثق تاريخ المدن السورية في الأعوام الأخيرة، من خلال حراكها المدني والأنشطة الإبداعية. وذلك ضمن خطوة جديدة يخطوها موقع "الذاكرة الإبداعية للثورة السورية" نحو أرشفة وتوثيق ذاكرة السوريين الحية. التقى فريق "العربي الجديد" بمديرة مشروع "الذاكرة الإبداعية للثورة السورية"، سنا اليازجي، ودار الحديث حول أهداف مشروعها، وأهمية توثيق الفنون السورية المرتبطة بالثورة.

عن فكرة مشروع "الذاكرة الإبداعية للثورة السورية"، تقول اليازجي: "بدأ المشروع من خلال إطلاق الموقع، في شهر أيار/مايو 2013، وكان الهدف منه توثيق الواقع السوري. وذلك لأنني، كغيري من السوريين المرتبطين بالثورة، لم نكن نصدق ما كنا نراه، ولم نكن نصدق أننا تشاركنا وتفاعلنا مع ما يحدث في الشارع، ولم نصدق الخيال والإبداع الذي تحلى به الناس العاديون في سورية، لأنَّ الشعب السوري عندما نزل إلى الشارع، استعاد تملُّك ذاته، وتملك المكان العام والعلاقات السريعة التي خلقت بين الناس الذين لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض. وتفاعل الجميع بإبداع غريب، وكمية الفن الذي أنتجته الثورة السورية، سواء الشعبي منه أو النخبوي، كان مدهشاً بالفعل".

وتضيف اليازجي: "مع الوقت، بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي، كشخص ينتمي لهؤلاء الناس، وكمواطنة سوريَّة، الخوف من أن يُنسَى كل ما حدث، وأن يمحي التاريخ الآثار الإبداعية للثورة. ونعرف أننا منسيون بالأساس، وننتمي لبلد مغلق، وكأننا كتلة مُرمَّز لها بهذا النظام، وكأنه لا يعيش في سورية شعب، إذْ يتم اختصارنا دومًا في شخص واحد هو بشار الأسد، يرانا هو نفسه غير موجودين على الإطلاق. كل هذه الهواجس، وما كنا عليه من قبل، وما صرنا إليه بعد الثورة، كل شيء دفعني إلى محاولة التفكير في مقاومة النسيان، مع معرفتي بأن النسيان أمر في منتهى السهولة، ولاسيما في بلد بدأ منذ اللحظة الأولى بتحريف ما يحدث، من خلال الإعلام التابع للنظام الذي اتهم الناس بانتمائهم لعصابات مسلحة وبالإرهاب والتخريب. ولاقت هذه الرواية الإعلامية، للأسف، آذاناً صاغية. الرواية التي تطمس كل ما حدث، بالإضافة إلى روايات إعلامية أخرى حول العالم، كانت تشكك فيما يحدث. وهذا ما جعلني أشعر أن كلّ ما يحدث سيُغفَل ويُنسَى، خصوصاً بعد أن فتح النظام آفاق الحرب على حلقات أعنف وأوسع وأشمل. لذلك، رأيت أنه من الضروري تجميع هذه المواد، لنحفظها من النسيان".


وعن الآلية التي سار بها المشروع حتى تطور إلى الصيغة الحالية، تشير اليازجي: "المشروع تطور. في البداية، لم أكن أعرف كيف سيولد، وكيف سيتطور، كان تركيزنا دائماً على الإنسان. ومع التراكم والعمل، كانت الأسئلة والتحديات تزداد من تلقاء نفسها، إذْ ترى نفسك مجبراً على الرد عليها، وعندما تردّ، يزداد العمل. وفي هذا المسار الارتجالي، بدأ العمل في منتصف عام 2013، أي عندما غادرت سورية واستقررت في بيروت، وبدأت بجمع المواد. وانطلق الموقع بـ200 مادة، باللغة العربية والإنكليزية والفرنسية. وأما اليوم، فيضم الموقع أكثر من 27 ألف مادة باللغات الثلاث، خلال أربعة أعوام، كنا نوثق الذاكرة الإبداعية للثورة من خلالها، نوثق كل رسمة أو غرافيتي على أي جدار أينما وجد في سورية، وأي عمل مسرحي أو فيديو أو فيلم. اليوم، نحاول أن نؤرشف الوثائق، لتسهيل عملية البحث فيها. وتتضمن كل وثيقة معلومات صحيحة عن العمل الفني، عن مكان الإنتاج وتاريخه وملكيّته. وأضيف عليه سياق لشرحه، فالسياق يشرح المعلومات اللازمة لفهم تموضع العمل بسياقه الزماني والمكاني، ليسَهِّل على الباحث عملية بحثه".


وعن معايير الأرشفة، تقول اليازجي: "نوثق ونؤرشف كل الأعمال الفنية التي تتحدث عن الثورة ومبادئها وقيمها. وقمنا في الموقع بتوثيق الثورة بكل مراحلها، وكيف انتقلت من المرحلة السلمية إلى المرحلة المسلحة، عن طريق الأعمال الإبداعية. ولكي يدخل العمل في أرشيفنا، يجب أن يكون إبداعيّاً 100%، وأن يكون مع الثورة أو يعبر عنها. ونبتعد عن توثيق كل ما هو طائفي وعسكري، لأنه لا يدخل ضمن نطاق القيم التي خرج من أجلها الناس للشارع، ولا نرغب في تكريس أي قيم لصراع أهلي أو طائفي، وإنما نرغب في الدفاع عن ملايين السوريين الذين خرجوا وقالوا كلمتهم، ولايزالون يعبرون عن أنفسهم، ونحن موجودون لنكمل مسيرتهم. وإذا لم نقم اليوم بالاهتمام بهذه المواد، حينها سنكون قد استسلمنا لمقولة إن التاريخ يكتبه من ينتصر. ولذلك اخترنا أن نقاوم من خلال الكتابة والأرشفة، حتى نقاوم إمكانية بقاء رواية واحدة متداولة، لنترك ملايين الروايات، لندحض الادعاءات بأن ما حدث مجرد حرب أهلية، وأن النظام انتصر على الإرهاب".

وعن مشاريع الذاكرة الإبداعية للثورة السورية في المستقبل، تقول اليازجي: "انتقل المشروع من مرحلة التوثيق إلى مرحلة الأرشفة، وبدأنا مؤخراً بتنظيم الوثائق الموجودة لدينا، لنسهل عملية البحث. ونحاول أن نسهل المهمة على الباحثين للوصول إلى الوثائق التي يبحثون عنها. وبالإضافة إلى ذلك، لدينا العديد من الخطط لمشاريع كثيرة. ونحضّر الآن لعدة مشاريع، تتّسم جميعها بأنها محاولة لصياغة قراءة أخرى، لما حدث في بلدنا منذ ثورة 2011، وحتى اليوم، عن طريق الصورة أو الصوت أو السينما أو المقالات وغيرها".