سميرة القادري.. غناء على ضفتي المتوسط

14 مايو 2016
الصورة
في "مهرجان فاس للغناء الصوفي"/ 2015

عرفت الموسيقى المغربية، مثلها مثل باقي الفنون الأخرى، فترات ازدهار وتراجع، حيث كانت تتأثر، مثلها مثل باقي الفنون بالأوضاع السياسية والثقافية التي يعيشها المغرب، لكن النجاح كان دائماً مضموناً لمن أنصت جيداً لما يريده الشارع.

من هنا، ظلّت الموسيقى الشعبية والشبابية تتسيدان المشهد الموسيقى، ولم يكن أمام الفن النوعي سوى جمهور قليل يتشكّل في غالبيته من المثقفين والفنانين أنفسهم. سميرة القادري، إحدى الفنانات المغربيات اللواتي ينتسبن إلى هذ النوع من الفن الذي نأى عن المعايير التجارية من خلال ابتعاده عن البحث عن الجماهيرية والربح.

تخصّصت القادري غناء وبحثاً في موسيقى بلدان البحر الأبيض المتوسط، ذات المرجعية العربية والموريسكية. وقد ورثت الفتاة الصغيرة، القادمة من مدينة الصويرة، حب الموسيقى الصوفية عن والدها، ولما استقرّ بها الحال في مدينة تطوان شمال المغرب، اكتشفت هناك الموسيقى الأندلسية فانكبّت على تعلّمها والبحث في دهاليزها حتى صارت اليوم أحد القلائل المتخصصين في الموسيقى المتوسطية، وأكثر العارفين بالإرث الموسيقي المشترك بين الضفتين.

في حديثها إلى "العربي الجديد"، لدى حضورها الدورة 18 للمهرجان الدولي للعود التي تقام في مدينة تطوان حالياً ويختتم آخر حفلاته غداً، سألناها عن خيارها الموسيقي الذي اختارت من خلاله مخاطبة النخبة فقط، من حيث المزاج والخلفية الثقافية.

تقول القادري "عندما اخترت الانتماء إلى الموسيقى المتوسطية، كنت أعي جيداً نخبويتها في الوطن العربي، وهذا لا يعني عدم وجود جمهور لهذه الموسيقى، فمن خلال الحفلات التي أحييها في عدد من المهرجانات الفنية داخل المغرب، والتي يحضرها نخبة من المتتبعين، ألاحظ أن لهذه الموسيقى جمهورا مهما وأغلبه من الشعراء والفنانين والمثقفين، فلكل نوع وشكل موسيقي جمهوره، وكذلك الموسيقى الكلاسيكية والأوبرالية التي أقدّمها، فإن لها جمهورها الخاص بها أيضاً".

تستحضر القادري هنا حفلها بمناسبة منح "جائزة الأركانة للشعر" في "المعرض الدولي للكتاب" الذي أقيم في الدار البيضاء، حيث كان الشاعر سعدي يوسف من ضمن الجمهور الحاضر. تقول: ما زلت أذكر كلامه عن تجربتي: "معرفتُها بالأغنية الأندلسية وتنويعاتها، جعلتْها تتنقّل، بحريّة، بين الأقاليم، لحناً وجغرافيا".

تزاوج تجربة صاحبة "حلم" بين الغناء والبحث في الموروث الغنائي المغربي الأصيل ثم مزجه بألوان موسيقية متوسطية قديمة. وعن هذا المزج بين الإبداع والبحث، عن هذه التجربة تتحدث بالتفصيل: "بعد سنوات من التنقيب والبحث في غنائيات البحر الأبيض المتوسط، مع مواكبة البحث بأداء فعلي لمدارس مختلفة من الموسيقى، بدأت بالصوفية والكنائسية ثم الموريسكية ومزج الأنواع ببعضها، واجهتني نتائج لا يمكن التغاضي عنها، وقد توقفت عندها كثيراً؛ فمنطقة البحر الأبيض المتوسط، تجمع في ما بينها موسيقى واحدة لتشكّل لغة كونية".

تتابع القادري: "لا يمكن الحديث عن أي نوع موسيقي في هذه المنطقة من دون الحديث عن القوالب الجمالية والتاريخية المشتركة التي تجمعها مع نظيراتها الأخرى. فهي تلتقي، في التاريخ والحاضر".

وضعت القادري على كاهلها مهمة موسيقية إذن، أن تحاول عبر هذه الثقافة التي وصلت إليها عن طريق البحث والتنقيب في الوثائق المغربية والأجنبية الدفينة، وفقاً لتعبيرها، أن تستغلها وتصهرها في قالب موسيقي، سواء باللغات العربية أو الأجنبية، لتصل إلى لحظة حوار حقيقية بين حضارات وثقافات تعيش على ضفتي المتوسط.

تنتقل القادري إلى الحديث عن واقع الأغنية المغربية الراهن، وتعتبر أن هناك أنماطاً مختلفة من الأغنية المغربية، ولكل نوع واقع خاص به، سواء على المستوى الإيجابي أو السلبي. لكنها تستدرك "هذا لا يمنعنا من الحديث عن الأزمة الحقيقة التي تصيب القطاع الموسيقي بشكل عام، والحالة المرضية التي أضحى يعيشها سواء على المستوى الذاتي وما يرتبط به من بنيات الإبداع، في ما يخص القصيدة تأليفاً ولحناً وتوزيعاً وأداءً ونقداً"، وتكمل: "الأمر نفسه ينطبق على مستوى آخر يرتبط بأهمية الموسيقى في المجتمع ودورها في الإقلاع أو النهوض الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وبالتالي، أرى أنه من الواجب جعل الموسيقى ضرورة فنية في المدارس حتى تصير ممارسة فنية تؤطر اختيارت الناس جمالياً".

عن الموجة الجديدة في الموسيقى المغربية التي تجد دعماً إعلامياً كبير بخلاف أشكال موسيقية أخرى، ترى القادري أن "هناك أنواعا نحبوية من الفن لا تلقى عادة الدعم من الإعلام في الوطن العربي. مثلاً الأمر ليس واحداً في وسائل الإعلام الغربية، أقول ذلك وأنا أستحضر الاهتمام الكبير الذي تلقاه بعض حفلاتنا الفنية في رومانيا وإسبانيا والتشيك وفرنسا، وغيرها من الدول التي نحسّ فيها بأن سهراتنا لها أهمية توازي المجالات الأخرى في الحياة كالسياسة والرياضة وغيرها". في المقابل، ترى القادري أن الإعلام العربي يهتم، عموماً، ويقف وراء نوع معين من الموسيقى والفن ويدعمه لأسباب كثيرة أولها تجارية.

مشاكل التلقّي لأنواع موسيقية متنوعة، يمكن إرجاعها إلى الكيفية التي يتم بها تقديم الفن والموسيقى في مراحل عمرية مبكرة في المدرسة بشكل أساسي، فهو تقديم وتلقين لا يساعد على التأسيس لقاعدة جمهور منفتح لتلقّي أشكال مختلفة من الموسيقى والتعرف على تاريخها الغني والمتعدد. والمشكل الأساس، بحسب القادري، لا يرتبط فقط بالافتقاد إلى الرؤية الفنية أو الجديّة، فهو أكبر من ذلك، فالموسيقى يجب أن تكون مادة أساسية في التعليم وأن تصبح الدراسة الفنية ممارسة في المناهج والمقررات المدرسية، وليس أن ترتبط فقط بالمعاهد الموسيقية الاختيارية.