سلمان زيمان .. جرس الأغنية الآسرة

06 اغسطس 2020
الصورة

قبل نحو خمسة عشر عاما، قال الفنان البحريني سلمان زيمان: "رغم كل السواد، أنا متفائل إلى أبعد الحدود بأن الأمور ستؤول إلى الحرية والاستقرار والسعادة والفرح والعلوم والفضاء، إلى درجة أنني مستوعب بأن الكرة الأرضية قرية صغيرة واحدة. أنا أحكي بعد مائة سنة. لست مستعجلا. المهم أن نصل بدون حروب، بدون أن نفقد أحدا، وبدون سجون، وكل شيء غير ذلك، ومنها الكوارث الطبيعية، نستطيع تحملها". وعلى الرغم من أنني لم ألتق به، ولم أسمعه، منذ زمن طويل، إلا أنني واثقة أنه رحل قبل أيام، وهو ما زال يحمل ذلك التفاؤل الذي ميز شخصيته الجميلة دائما في أغنياته ويومياته المفعمة بالحب والفن والسلام.

التقيت أبا سلام، رحمه الله، أول مرة قبيل تركه الإقامة في الكويت بأشهر قليلة عام 1987، وكنت يومها على أعتاب التخرّج من الجامعة. وعبر معارف وأصدقاء، زرت عائلته في منزلها في منطقة الفروانية في الكويت. وتناولت طعام الغداء بحضور السيدة النبيلة زوجته وبعض شقيقاته وزوجة شقيقه خليفة الفنانة هدى عبد الله. كانت أسرةً تتناول الأغنية على مائدة الطعام، وتناقش قضايا الأمة بين أكواب الشاي، وكان الجميع بينهم يمتلئ بالفن والأمل والأمنيات. 

خرجت من منزلهم، وأنا أرفرف سعادةً بتعرّفي إلى هذه الأسرة الفنية الجميلة، والتي كانت قد اشتهرت بتأسيسها فرقة أجراس الغنائية، ذات الطابع المختلف عن السائد الفني في منطقة الخليج تحديدا. كانت الفرقة التي تأسست على أيدي أعضاء تلك الأسرة، وآخرين غيرهم من أصدقائهم الفنانين في بدايات الثمانينيات في البحرين، تغنّي لفلسطين ولقضيتها وقضايا العرب كلها، وتحتفي بقيمة الإنسان عبر قصائد أغلبها فصيحة لشعراء أغلبهم من فلسطين. وكانت أشعار الشاعر الفلسطيني توفيق زياد أحد أهم مصادرها في الموسيقى والغناء. وعندما اشتهرت للفرقة أغنية "ذكريات" من كلماته، فكانت بوابة سلمان زيمان، مغني الفرقة الأول، إلى المتلقي العربي الذي ردّد الكلمات أحيانا بحمولة عاطفيةٍ مضافةٍ لحمولتها ذات المعنى المقاوم على طريق الأمل بالتحرّر الإنساني والوطني: "ولي في ربوع الشمال غرام/ حَيِيٌّ وزنبقة طاهرة/ تعيش على حلمها باللقاء/ على دفء أمنيةٍ عاطرة/ على وجهها سمة الأبرياء/ وفي خدّها حمرةٌ آسرة/ وفي رأسها فِكَرُ العاشقين/ وفي عينها فرحة حائرة/ هي الوحي لي وعروس الخيال/ وملهمةٌ خَطْرتي الشاعرة/ تذكرت والشوق يغلبني/ لقاءً لنا في ربى الناصرة".

وعلى الرغم من التحولات الكبرى في قضية العرب، وأغنيتهم أيضا، على سبيل الانحدار غالبا، بقيت أغنية سلمان زيمان من الأغنيات القليلة الصامدة، لا تصالح ولا تهادن، ولا تتخلى عن فكرتها الوطنية والإنسانية العميقة، ولا تغريها مغريات الشهرة والذيوع المكلّلة بالرخص والنمط الاستهلاكي العام. 

رضي زيمان أن يبقى معلما لمادة الموسيقى في مدارس البحرين، بعد عودته من الكويت التي شهدت ميلاده الفني، مضحّيا بكثيرٍ مما تنعم به الفنانون الآخرون في جيله، ممن اعتبروا الأغنية مادة للتسلية وحسب، فقدّموها كما يطلبها المستمعون، غير آبهين بأي رسالةٍ يمكن أن يحملها الفنان، لتكريس وعي الجماهير بقضايا أمتهم.. لكن التزام زيمان المبدئي بقضاياه الوطنية والإنسانية، والتي كلفته الكثير، وحجبت عنه بعض الضوء الإعلامي، لم يكن ليمنع جذوة فنه من الاشتعال في قلوب محبيه الذين كانوا ينتظرون إصداراته الغنائية القليلة بلهفة ووفاء.. وهكذا توالت أغنياته، وبقيت حية في ذاكرة الفن العربي: "أقبل العيد"، و"يا مقلة عيني"، و"هيفاء"، و"الطائر الهيمان"، و"أم الجدائل"، و"أبو الفعايل"، و"ولي في ربوع الشمال"، "الحب أسرار"، و"كان ذا أول"، و"أحلى الليالي"، و"بعدت عني"، وغيرها من أغنياتٍ ساهمت بتشكيل وجدان جيل نشأ في زمن التحولات التي أرهقت روحه واقتسمت وعيه. 

رحم الله أبا سلام، والعزاء لأسرته ومحبيه في كل مكان.