سكان ضد الكنيسة في سان بطرسبرغ

30 مارس 2017
الصورة
احتجاجات واسعة على الخطوة (سيرغي ميهايلشينكو/ الأناضول)
تتواصل في مدينة سان بطرسبرغ، العاصمة الشمالية الروسية، احتجاجات بسبب قرار سلطات المدينة تسليم كاتدرائية القديس إسحق المتحفية إلى عهدة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ويعتقد كثير من أبناء المدينة أنّ ذلك سيؤثر سلباً على واحدة من أبرز معالم سان بطرسبرغ.

تشير منسقة حركة "المدينة الحية"، أنطونينا يليسييفا، إلى أنّ تسليم الكاتدرائية إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ستترتب عليه تداعيات عدة، في مقدمها إغلاق المتحف التابع للكنيسة وتسريح موظفيه، وفرض قيود صارمة على ملابس الزائرين، بالإضافة إلى مخاوف من تدهور حال الكاتدرائية نظراً لافتقاد إدارة الكنيسة الأرثوذكسية الخبرة المعمارية. تقول يليسييفا لـ"العربي الجديد": "نتحدث هنا عن تسريح نحو 400 موظف، ناهيك عن الخسائر الفادحة بسبب توقف بيع التذاكر لزيارة المتحف الذي سيغلق، وكان من الممكن استخدام هذه الأموال لترميم كنائس أخرى مثلاً".

بحسب الأرقام المعلنة، فإنّ إيرادات متحف كاتدرائية القديس إسحق عام 2016 بلغت 824.6 مليون روبل (نحو 14.5 مليون دولار) منها 52.2 مليون روبل (نحو 900 ألف دولار) ربح صافٍ.

في هذا السياق، تشير يليسييفا إلى أنّه بعد تسليم الكاتدرائية إلى الكنيسة الأرثوذكسية، سيجري الإنفاق عليها من ميزانية الدولة. وتضيف: "علاوة على ذلك، فإنّ هناك سوابق لتدهور حال الكنائس بعد تسليمها لإدارة الكنيسة الأرثوذكسية، لأنّها تفتقد إلى الخبرة المعمارية اللازمة، وقد حدث ذلك مع كاتدرائية قازان في سان بطرسبرغ أيضاً، التي سُلمّت في تسعينيات القرن الماضي إليها. وفي حال توجيه انتقادات إلى الكنيسة تتسلح الأخيرة أنّ ذلك يشكل إهانة لمشاعر المؤمنين".

وحول تداعيات تسليم الكاتدرائية على الزائرين، تضيف: "ستفرض الكنيسة قيوداً صارمة على الزائرين في ما يتعلق بالأزياء مثل فرض غطاء الرأس على النساء. وسيشعر الزائرون من غير المصلين أنّهم غير مرحب بهم هناك".

وما يزيد من غضب الناشطة المقيمة في سان بطرسبرغ هو اتخاذ سلطات المدينة قرارها من دون الرجوع إلى رأي السكان. تذكّر في هذا السياق أنّه "كانت هناك مثل هذه الخطط عام 2015، لكنّ السلطات تراجعت عنها بعد توقيع عريضة ضدها، لكنّ السلطات لم تستطلع هذه المرة رأي السكان".

تعتبر يليسييفا، والتي ولدت وعاشت حياتها في سان بطرسبرغ، كاتدرائية القديس إسحاق بالدرجة الأولى "أثراً ورمزاً وأحد أبرز معالم المدينة إلى جانب متحف هيرميتاج وقلعة بيتروبافلوفسك". وهي ما زالت تأمل في تراجع السلطات عن قرارها هذه المرة أيضاً.

دفعت قضية متحف كاتدرائية القديس إسحاق بسكان بطرسبرغ إلى إنشاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تضم آلاف المستخدمين ضد القرار، وتنظيم احتجاجات ميدانية شارك فيها عشرات آلاف الأشخاص. وخرجت القضية عن نطاق المدينة، لتشغل الرأي العام الروسي في مختلف أنحاء البلاد، وسط توجه قسم كبير من السكان لرفض النشاط العلني المتزايد للكنيسة.

وبالرغم من أنّ معظم سكان روسيا يعتبرون أنفسهم مسيحيين أرثوذكس، إلاّ أنّ نسبة المترددين على الكنائس والملتزمين بالشعائر الدينية لا تزيد على 5 في المائة، وفق تقديرات باحثين في علم الاجتماع.



في المقابل، وصف بطريرك موسكو وعموم روسيا كيريل الأول (رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية) تسليم كاتدرائية القديس إسحاق إلى الكنيسة في عام يصادف مرور قرن على ثورة البلاشفة (1917) بأنه "رمز للمصالحة في المجتمع الروسي".

مع ذلك، أثار إعلان محافظ سان بطرسبرغ غيورغي بولتافتشينكو في يناير/ كانون الثاني الماضي عن قرار تسليم الكاتدرائية، جدلاً واسعاً وانقساماً بين من رأى فيه استعادة للعدالة التاريخية، ومن عبّر عن قلقه من تنامي نفوذ الكنيسة في الدولة الروسية المدنية. ودعا وزير الثقافة الروسي فلاديمير ميدينسكي إلى إبرام عقد بين سلطات سان بطرسبرغ والكنيسة الأرثوذكسية الروسية يحدد بوضوح كلّ القضايا المتعلقة بتسليم الكاتدرائية وكيفية ضمان سلامة القطع المتحفية.

وتعتبر كاتدرائية القديس إسحاق الواقعة في ساحة القديس إسحاق أكبر كنيسة في العاصمة الشمالية الروسية، وجرت أعمال بنائها بين عامي 1818 و1858 برعاية الإمبراطور نيقولاي الأول في معظم تلك الفترة. لكن بعد ثورة البلاشفة عام 1917 وإعلان الإلحاد أيديولوجيا رسمية للدولة، تعرضت الكاتدرائية للنهب، إذ جرت مصادرة 48 كيلوغراماً من القطع الذهبية وأكثر من طنين من الفضيات في مايو/ أيار 1922، كما اعتقل عميدها. ووصل الأمر إلى افتتاح "متحف معاد للدين" فيها عام 1931 بات عام 1937 متحفاً متخصصاً في التاريخ والفنون، وأثناء الحرب العالمية الثانية استخدم لحفظ قطع متاحف المدينة وقصور ضواحيها.

وكان قرار استئناف إقامة القداديس عام 1990 من الأحداث المفصلية في تاريخ الكاتدرائية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أحد أبرز الرموز التاريخية والأثرية في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي.

دلالات