سد النهضة: إثيوبيا تشترط إلغاء صياغات واشنطن لاستئناف المفاوضات

27 مارس 2020
الصورة
تتظاهر إثيوبيا باستعداد وزيري الخارجية والمياه لاستئناف المفاوضات(فرانس برس)

كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية في القاهرة لـ"العربي الجديد" عن أنّ إثيوبيا تروج حالياً عبر سفرائها في العواصم الغربية والأفريقية أنها على استعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات مع مصر حول قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة، بشرط إبعاد وزارة الخزانة الأميركية عن الملف، وإلغاء جميع الصيغ التي سبق وتمّ الاتفاق عليها خلال مفاوضات واشنطن التي امتدت على مدار 3 أشهر تقريباً. وكانت أديس أبابا قاطعت الجولة الأخيرة من هذه المفاوضات نهاية فبراير/شباط الماضي، والتي كان من المفترض تخصيصها للتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق، بحجة أنّ الصيغة التي أعدها فريق الوزير الأميركي ستيفن منوتشين بالتعاون مع البنك الدولي، "لم يتم التوافق على بنودها بين جميع الأطراف".

وذكرت المصادر أنّ المحاولات الإثيوبية لتحميل الوزير الأميركي مسؤولية فشل المفاوضات وما تصفه بـ"العنجهية المصرية"، تمتدّ للتظاهر باستعداد وزيري الخارجية والمياه الإثيوبيين غيدو أندارغاشيو وسيليشي بيكيلي لاستئناف المفاوضات بشكل مباشر من دون وسطاء، أو بوسطاء غير ملزمين، من دون تطبيق المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، والتي تتعلّق بتسوية النزاعات وطلب الوساطة في هذا الشأن.

وأضافت المصادر أنّ الفريق الإثيوبي الذي يلعب دوراً رئيسياً في هذه المحاولات، هو الموجود في بروكسل بقيادة السفير المخضرم جروم أباي، المقرب من رئيس الوزراء أبي أحمد، والذي أبلغت مصادر مصرية "العربي الجديد" في وقت سابق من هذا الشهر، بأنه شكّل فريقاً من الدبلوماسيين عقد اجتماعات مطولة مع عدد من الوفود الأوروبية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي؛ إذ ركز الفريق الإثيوبي على 3 نقاط أساسية هي: رفض أديس أبابا تدويل القضية وتدخل الوسطاء "غير المعنيين" كالولايات المتحدة لفرض حلول بعينها، واستحقاق إثيوبيا تاريخياً وتنموياً واقتصادياً بالاستفادة بمواردها المائية بحجة أنّ مصر هي الدولة الأكثر استفادة من مياه النيل على مدار التاريخ، والزعم بأنّ الاتفاق الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان يعتبر خروجاً على الاتفاق الإطاري لدول حوض النيل الموقع في عنتيبي عام 2010.

وذكرت المصادر الأوروبية أنّ المسؤولين الغربيين المطلعين على مجريات القضية عن كثب، وكذلك سفراء الدول في العواصم المعنية بالملف، "يدركون أنّ إثيوبيا تحاول استهلاك مزيد من الوقت، وأنها غير جادة في العودة للمفاوضات أو اللجوء لوساطة جديدة حالياً". وأوضحت في الوقت نفسه أنّ الجانب المصري "يراقب هذه التحركات على ضوء التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشيو، أخيراً عن تحضير بلاده لحلّ"، وهو التصريح الذي جاء مفاجئاً ومغايراً للهجة العلنية المتبعة منذ بداية الأزمة الأخيرة.

وفي سياق التعليق على هذه التحركات، قال مصدر حكومي مصري كان على صلة بملف سدّ النهضة في الفترة من 2014 إلى 2019، لـ"العربي الجديد"، إنه "ليس من مصلحة مصر تفعيل أي وساطة أوروبية في هذا الملف، نظراً لسابقة إفصاح العديد من العواصم الأوروبية عن وجهة نظرها المنحازة للإثيوبيين، بحجة توفير سبل التنمية العادلة لهم، فضلاً عن سماح الدول الرئيسية بالاتحاد الأوروبي لمستثمريها بالمشاركة في إنشاء السدّ والمشروعات الخاصة به".

وكشف المصدر أن القاهرة "تهربت" من محاولات ألمانية للوساطة في الملف عام 2017، بعدما تبيّن أنّ هناك اقتناعاً في برلين بضرورة مراجعة مصر لسياستها المائية، وخفض إهدارها للمياه العذبة لتحقيق أفضل استفادة من حصتها من مياه النيل، الأمر الذي تنفيه القاهرة، وتقدّم بيانات تفيد بتحقيقها معدلات استفادة مرتفعة بنسبة 90 في المائة، فضلاً عن تعظيم اعتمادها في السنوات الثلاث الأخيرة على إعادة تدوير المياه المستخدمة سلفاً.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قبل الدخول في المفاوضات الأميركية، خاطبت مصر كلاً من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والصين، بضرورة وقف الخدمات المقدمة من شركات في هذه الدول في إطار بناء السد، لضمان التزام إثيوبيا والأطراف المتعاونة معها، بمبدأ عدم إحداث ضرر جسيم لمصر والعمل على التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الأخيرة المائية، لكن أياً من تلك الدول لم تستجب للمطالبات المصرية.

وتنشط في مشروع سدّ النهضة شركة "جيچوبا" الصينية وهي المسؤولة عن الهيكل الصلب، وشركة "سينوهيدرو" الصينية كذلك، وهي المسؤولة عن تجميع هياكل الصلب المستوردة وتكوين الوحدات الكهرومائية، وشركة "جي أو هيدرو فرانس" الفرنسية المسؤولة عن توريد وتشغيل المولدات والتوربينات وهي بصدد تجميع أغلفة التوربينات استعداداً لبدء الإنتاج الكهربائي التجريبي العام المقبل في السدّ، فضلاً عن مشاركة شركات إيطالية وألمانية في أعمال المقاولات والكهرباء.

وتدفع مصر ثمن سلسلة من الأخطاء السياسية التي تعترف بها المصادر الدبلوماسية والحكومية في القاهرة، وعلى رأسها بطبيعة الحال توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي على اتفاق المبادئ في مارس/آذار 2015، الذي اعترف أولاً بحقّ إثيوبيا في بناء السدّ، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت به من قبل، وأقرّ ثانياً بحقها السيادي في إدارته، فيما لم يقرّر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل وبصفة خاصة عامي 1902 و1993.

وجاء انقلاب إثيوبيا على المسار التفاوضي ومقاطعة جولة واشنطن نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، في ظلّ دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر ضدّ أبي أحمد، وتداول شائعات على نطاق واسع في الشارع الإثيوبي وفي أوساط المعارضة في الخارج والمغتربين، تركز على أنّ أحمد -المنتمي لقومية الأورومو- يقدّم مصالح مصر وأميركا على المصالح الإثيوبية، ويعطل إنجاز مشروع السدّ. فيما الحقيقة هي أنه لولا الثورة الإدارية والأمنية التي قام بها أبي أحمد فور وصوله إلى السلطة، لما كان السدّ قد بلغ هذه المستويات المتقدمة من الإنشاءات، بعد إبطاء لسنوات عدة بسبب سوء الإدارة والفساد.

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلاميريام ديسالين، قد صرّح من الخرطوم، الشهر الماضي، برغبة إثيوبيا في تأجيل الاتفاق لفترة إضافية غير محددة، لحين تهدئة الأوضاع السياسية المتوترة في إثيوبيا، بسبب الاستعدادات للانتخابات التشريعية، والتي ستشهد المواجهة الأولى بين رئيس الوزراء أبي أحمد وحزبه "الرفاه/ الازدهار"، وبين قومية التجراي التي رفضت الانضمام للحزب ولا تزال حركاتها السياسية هي أبرز المعارضين على الساحة المحلية للتوصّل إلى اتفاق حول السدّ.

تعليق: