ريجيس دوبريه: اليتم الرمزي وخطاب التسامح الفوقي

29 أكتوبر 2015
الصورة
ريجيس دوبريه (تصوير: آلدو سواريس)
+ الخط -

خلال تقديم المحاضرة، قال المفكر التونسي يوسف الصدّيق: "في لحظة كنا فيها قد مللنا من سارتر ومن صعوبة نصوص هايدغر وهوسرل، ظهر لنا كتاب "نقد العقل السياسي" فاكتشفنا إمكانية توأمة الفعل السياسي والفلسفة مع البقاء بقرب الكلام العادي، هكذا دخل ريجيس دوبريه في مخيلة جيلنا، وبقي بعدها يغذّي الفكر".

وللدخول في جوهر موضوع المحاضرة، التي أقيمت أول أمس في "المعهد الفرنسي" في تونس العاصمة، يشير الصدّيق إلى أن دوبريه نجح في تذويب السؤال الديني ضمن القضايا والأدوات المعاصرة دون أن يكون هذا السؤال هاجسه.

يقول دوبريه "فهمت السياسة دائماً كفنّ لخلق جسم (الدولة أو الأمة ..) من جسيمات، تماماً مثل تكوين المواد من ذرّات، لكني وجدت أنه في كل مرة هناك من يخرج عن هذه العملية، وقد قابلت بين العقل السياسي واللاوعي الديني".

يؤكد المفكر الفرنسي أنه "لا ينبغي الخلط بين ما نسمّيه بالديني والروحاني؛ فالأول هو حديث عن النحن، والثاني هو حديث عن الأنا، وفيما يفكر الروحاني ويستعد إلى الموت، يفكر الديني ويستعد إلى شعائره". مضيفاً أنه "من اختلاف كهذا نشأ ما سمّاه فرويد بـ "الوهم" كاعتقاد يستجيب إلى رغبة أو حاجة، والوهم ليس بالضرورة خطأ لذلك لا يمكن مغالبته بالعلم".

يشير دوبريه هنا إلى أن الديني "ليس على علاقة فقط بما هو إلهي وسماوي، بل إن الشيوعية المعاصرة أنتجت هي الأخرى مقدّسات، أي إنها بطريقة أو بأخرى أفرزت الديني، وهكذا نرى أن الديني غير ممكن تجنّبه".

حين يقارب الشأن الراهن، يتناول دوبريه بعض الظواهر التي يلتقي فيها السياسي بالدين، فبالنسبة له "يمكن أن نقول عن التطرّف الديني بأنه مسألة "جلدية"، يفرزها احتكاك الثقافات". مضيفاً "من موقع غير متخصّص في الإسلام، وعين من خارج ثقافته، أقول بأن القرآن باعتباره كلمة الله المباشرة قد أوقف نسق تأويله وجمّد الجدل حوله".

من خلال هذه الفكرة، يفتح دوبريه على أهم نظرية قدّمها؛ الميديولوجيا، كان ذلك بعد إشارة من الصدّيق الذي يلاحظ أن نظرية دوبريه التي تقول بأن الكتابة كحامل (ميديا) تغيّر من مسار الرسالة وحقيقتها، وهو ما يتقاطع مع ما جاء به المفكر التونسي هشام جعيّط حين لاحظ في دراسته للإسلام المبكر أن وضع القرآن في المصحف (كان ينتقل شفوياً فبات ينتقل كتابياً؛ مثال تغيّر في الميديا) تزامن مع الفتنة الكبرى والتي يعتبرها جعيّط لحظة ميلاد الإسلام السياسي.

يقول دوبريه أنه في كتابه "لو سكريب" أوضح أن "التوحيد بصفة عامة نشأ مع الكتابة"، حيث "أن تعدد الآلهة كان يفرضه عدم قدرة الناس على الانتقال بالآلهة في شكلها الصنمي من مكان إلى آخر، وحين يتغير المكان يتغيّر الإله، غير أن الكتابة جاءت بفكرة الإله المنقول أي الذي يمكن أن يكون خطابه وتعاليمه في كل مكان وبالتالي واحداً".

الخطوة الثانية في هذا المسار، بحسب دوبريه، "كانت المطبعة التي أتاحت للنص (الديني في الحالة التي ندرسها) أن يتكاثر وأن يكون لدى الجميع، وبالتالي لأي كان فرصة التأويل". يضيف "المطبعة هي المتغّير الذي يمكن من خلاله تفسير ظهور لوثر واستقلال الكنائس، أما المرحلة الثالثة فهي عصر الإنترنت والتي تفضي إلى آفاق أخرى نحن اليوم بصدد العيش ضمنها".

يشير دوبريه إلى صعوبة تفهّم الغرب للإسلام، كونه يطرح إشكاليات وتحديات صعبة الحل على العقل الغربي، مثل إشكالية العلمانية، خصوصاً أن قراءات تقول إن الإسلام ولد علمانياً. هنا يشير الصدّيق إلى أن "الإسلام حتى وإن ولد علمانياً، فإنه لم يبق كذلك بعد القرن الثالث هجري حين اكتمل تدوين الحديث والمذاهب الفقهية".

يقدّم دوبريه قراءة أخرى لصعوبة فهم الغرب للإسلام، حيث أنه يمثّل للعقل الغربي قصة تاريخية مقلوبة؛ ففي حين تطوّر الغرب من عصور الانحطاط (القرون الوسطى) إلى النهضة، فإن التاريخ الإسلامي عرف النهضة قبل عصور الانحطاط.

يرى دوبريه أن صحوة الإسلام المعاصر وإعلانه عن نفسه، هو ما يفرز تلك الهواجس التي نسمّيها بـ "الإسلاموفوبيا" من ويلبيك في فرنسا إلى بيغيدا في ألمانيا.

ينتقل المفكر الفرنسي هنا إلى الخطاب النقيض، خطاب التسامح، الذي يرى أنه خطاب تنتجه الفوقية في الحقيقة، فطالما كان التسامح منّة الملوك على شعوبهم في القرون الوسطى، وهو يأتي كما يمكن أن نلاحظ من مبادرة أو دفع من الأقوى.

يتدخّل هنا الصدّيق متسائلاً حول أحد تمظهرات خطاب التسامح وهو ظاهرة "المتحوّلون إلى الإسلام" في الغرب. يفسّر دوبريه ذلك بأنه علامة من علامات "اليتم الرمزي"، بما أن "الحضارة الغربية لم تعد تنتج المعنى، ما يؤدّي إلى البحث عن بدائل؛ لأن اليتم يدفع نحو اختلاق أب جديد".

المتحوّلون، بالنسبة إلى دوبريه، هم مؤشر عن فراغ، والمجتمع مثل الطبيعة لا يقبل بالفراغ. يضيف أن "المتحوّلين خطرون لأنهم يعتبرون أنفسهم في حاجة إلى إثبات شيء ما داخل الانتماء الجديد".

المساهمون