روسيا المتناقضة

04 ديسمبر 2015
الصورة
رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين (الأناضول)

قبل أيام وصفت موقف روسيا بمعاقبة تركيا اقتصادياً بالمتردد، وقلت إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتردد في اتخاذ إجراءات اقتصادية عنيفة ضد السلع التركية التي تستوردها بلاده، لأنه يعرف جيداً أنه سيترتب عن قراره إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الروسي قبل الاقتصاد التركي، وستكون الأسواق الروسية المتضرر الأكبر من حظر استيراد المنتجات التركية في ظل الخناق الذى يفرضه الغرب على روسيا اقتصادياً، وتضرر موسكو من تهاوي أسعار النفط، وانسحاب استثمارات غربية كبرى من روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، لكن اليوم تنتقل روسيا من حالة التردد في اتخاذ القرار الاقتصادي العنيف ضد أنقرة إلى حالة التناقض، والرسائل الصادرة مؤخراً من موسكو تفيد ذلك.

وسأضرب هنا عدة أمثلة على ما أقول، وأبرز مثال على ذلك التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الروسي ويهاجم فيها أنقرة، ففى الوقت الذي كان فيه بوتين يتوعد، أمس، تركيا، وأنها ستندم "أكثر من مرة" على إسقاط مقاتلته الحربية، كانت وكالة الإعلام الروسية تنقل عن نائب وزير الزراعة الروسي قوله، إنه لا نية لدى روسيا للحد من صادرات الحبوب إلى تركيا، أي أن موسكو مستمرة في تصدير الأغذية لأنقرة.

وقبلها تنقل وسائل إعلام روسية عن نائب وزير الطاقة الروسي، تأكيده مواصلة موسكو تزويد تركيا بالغاز الروسي وتنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الدولتين بغض النظر عن الخلاف السياسي.

وفى الوقت الذي كان فيه بوتين يتوعد بمعاقبة تركيا والغرب معاً، كان يدعو المستثمرين الأجانب إلى القدوم لبلاده والاستثمار بها على الرغم من التوترات السياسية مع الغرب.

وفى الوقت الذى أكد فيه وزير التنمية الاقتصادية الروسية مرات عدة، آخرها الثلاثاء الماضي، أن موسكو لن تعلق عملية تنفيذ مشروع نقل الغاز الروسي إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا المسمى بمشروع "السيل التركي"، وأن فرض عقوبات على تركيا لا يشمل المشاريع الاستثمارية الكبيرة، خرج علينا وزير الطاقة الروسي، أمس، ليعلن تعليق المباحثات مع أنقرة بشأن مشروع "السيل" على خلفية اسقاط المقاتلة، والغريب أن المشروع الذى تقول موسكو إنها ستجمده، هو مجرد فكرة ودراسات، ولم يتم البدء في تنفيذه بعد.

والغريب، أيضاً، أن تصريحات الوزير الروسي واكبتها تصريحات أخري مغايرة لرئيس شركة الطاقة الروسية "غازبروم"، برر فيها توقف المباحثات مع أنقرة حول مشروع نقل الغاز الروسي أو السيل التركي، بعدم تلقي روسيا أي طلب من تركيا بشأن مواصلة المباحثات، وبالتالي فإن الأمر هنا، لا يتعلق بخلافات بين البلدين على خلفية إسقاط الطائرة، وإنما بسبب تأخر أنقرة في تحديد موعد لبدء المفاوضات المتعلقة بالمشروع.

وفى الوقت الذي كانت فيه موسكو تقرع، أمس، طبول الحرب ضد تركيا، خرج علينا وزيرا الطاقة والتنمية الاقتصادية الروسيان ليعلنا، أن محادثات بناء محطة "أك كويو" الكهرذرية، للطاقة النووية في تركيا لا تزال قائمة على الرغم من تصريحات سابقة لمسؤولين روس، أكدوا فيها أن المحطة تقع تحت إجراءات الحظر الروسي على تركيا.

إذا أردنا أن نرصد الموقف الروسي، تجاه تركيا فإننا نلحظ تصعيداً سياسياً شرساً وحرباً نفسية لا هوادة فيها، وفى المقابل تصريحات متناقضة، وأحياناً لينة بشأن الوضع الاقتصادي، لأن المسؤولين عن الاقتصاد الروسي يدركون أن روسيا لا تتحمل مزيداً من الصدمات، وأن التصعيد السياسي لا مانع منه إذا كان غير مكلف اقتصادياً، بل ومطلوب للحفاظ على كبرياء القيصر بوتين، أما فيما عدا ذلك فالتهدئة مستحبة، بل ومطلوبة.

اقرأ أيضا: داود أوغلو: العقوبات الاقتصادية لن تتمكن من تركيع تركيا