رشيد بوطيّب.. عن المسألة التراثية

06 يوليو 2020
الصورة
رشيد بوطيب

ينطلق الكاتب وأستاذ الفلسفة المغربي رشيد بوطيّب (1973) من الاعتبار الثاني من "اعتبارات في غير أوانها" للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، والتي انتقد فيها تاريخ المؤرّخين من منظور إشكالية التاريخ والتاريخ الفعلي، وكذلك التاريخ كضرورة وكعقبة في آن، ساعياً إلى إعادة قراءة مسألة التراث والذاكرة في السياق العربي المعاصر.

في محاضرة بعنوان "واجب النسيان: تأمّلات في المسألة التراثية"، بُثّت افتراضياً ضمن سيمنار "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" مؤخّراً، يقول بوطيّب إنّ نيتشه طرح سؤالاً يتمتّع براهنية كبيرة بالنسبة إلى السياق العربي اليوم: ما هو الضروري بالنسبة إلى الحياة؟ ويرى أن السؤال هو أيضاً "ما هو الضروري بالنسبة إلى هذه المجتمعات العربية التي يحكمها التخلّف والاستبداد والاستعمار القديم والجديد"، لافتاً إلى أنّ الفكر العربي منذ عصر النهضة طرح سؤال الضروري هذا ولكن من حيث علاقته بالهوية وليس بالحياة، حيث اشترك النهضويون والقوميون والماركسيون في السؤال نفسه، معتبراً أنّ سؤال الهوية "منعنا من اكتشاف الغرب، ومن معرفة أنفسنا".

ظلّت مسألتا التراث والذاكرة أسيرتين لتوظيفهما السياسي

يقترح أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في "معهد الدوحة للدراسات العليا" أن يُطرَح التفكير في التراث كآنيّة وليس كهوية، أي باعتباره سؤالاً مزيَّفاً ومزيِّفاً (بفتح الياء وبكسرها) يحجب عنّا الواقع وأسئلته المصيرية، ويقول إن الكلف المرضي بالتراث لا يربطنا بالماضي رغم ادّعاءاته، ويلتقي في ذلك مع وجهتَي نظر قدّمها المفكّران المغربيان عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي.

يؤكّد بوطيّب أن مهمة كل فكر نقدي منخرط في الآنية تكمن في الدفاع عن حقّنا في النسيان، وذلك ضد ما أطلق عليه هيغل "عبء التاريخ" وأسماه نتيشه "حمّى التاريخ"، لافتاً إلى أنّ "وحده القادر على التذكر سيكون قادراً على النسيان، ووجب التأكيد أنه ليس من شكل محدّد للتذكّر، كما أنه ليس من شكل واحد للنسيان".

يقف صاحب "نقد الحرية: في المنعطف الإيتيقي لإمانويل ليفيناس" عند مقولة المؤرّخ الفرنسي بيير نورا، التي رأى فيها وجود عودة عالمية للذاكرة تتحقّق في أشكال مختلفة، منها نقد السرديات التاريخية الرسمية أو الاحتفاء بالجذور الثقافية أو مراجعة الماضي أو فتح الأرشيف الرسمي أمام العموم، ويمكننا بحسب المحاضر أن نلحظ التطوّر عينه في السياق العربي، بل نلحظ إفراطاً في حضور الذاكرة وفي تسييسها وتحويلها إلى ساحة للصراع السياسي، ويأخذ ذلك الحضور أبعاداً مختلفة تؤثّر في حياة الناس.

على أيّ فلسفة نقدية عربية أن تلتفت بدورها إلى النسيان

بالنسبة إلى صاحب كتاب "سياسات الضيافة: شذرات من خطاب في الغيرية"، فإن بيير نورا يجانب الصواب حين يعتقد أنَّ ما يُسمّى بانحسار الزمن التاريخي الذي توجّهه الفكرة الثورية هو ما أعاد إلى الماضي حريته، فقد قَمعت الحركات التحرّرية العربية الماضي وكبتته وأخضتعه إلى مبضعها الأيديولوجي، كما أن الأنظمة العربية كانت أكثر تطرّفاً في توظيف التراث واستغلاله أيديولوجيا واختزلته في تصوُّر معين، لذلك يرى المحاضر أنه من الخطأ إسقاط تحليلات نورا للذاكرة في السياق الغربي على العربي.

في سياق الحديث عن الاستعمالات السيّئة للذاكرة أو استغلالاتها السياسية المختلفة، يقف بوطيّب عند الذاكرة المعطَّلة أو الجريحة أو المريضة عند بول ريكور، كما يتناول فكرة "إكراه التكرار" عند فرويد والذي يعوق فعل التذكّر عند المريض، ويدفعه إلى أن يعيد إنتاج الماضي من دون أن يكون على وعي بذلك.

يقول فرويد عن هذا الإكراه: "إنّ المريض لا يتذكّر شيئاً ممّا هو منسي ومكبوت ولكنه يعيد إنتاجه، ليس كتذكّر ولكن كفعل، وهو يكرّره من دون أن يعرف أنه يكرّره. وما يميّز هذا المريض أنه يجلب من ترسانة الماضي الأسلحة التي بواسطتها يريد تجنب العلاج"، ويعلق بوطيّب بأنّ هذه العبارة لفرويد تقدّم تعليقاً شاملاً وكاملاً على قرن من التفكير العربي، والمريض من دون اعتراف بمرضه لن يؤسّس لمصالحة مع ماضيه، وكما يعوّض المريض التذكّر بالتكرار، يقوم بعمل إبدال للحزن بالسوداوية كما يرى ريكور، والفرق بين الاثنين يكمن في الإحساس بالذات ومدى انخراطها في واقعها.

يعتبر صاحب "رسالة إلى مفكّر هَرِم" أنَّ مسألة الذاكرة في الفكر العربي المعاصر ظلّت أسيرة توظيفها السياسي، وأنّ ذلك وقف حائلاً وحرمنا من التفكير في الراهن بعيداً عن صراع الماضي، بل إنها منعتنا من التفكير في الماضي من دون إسقاط صراعات الحاضر عليه، وهذا - وفق تعبيره - حرمانٌ من الحق في المعرفة.

ويرى بوطيّب أنّ "الثقافة التقليدانية، كالثقافة العربية المعاصرة، لم تؤسّس بعدُ لعلاقة ديمقراطية بنصوصها المؤسّسة وتاريخية بماضيها"، مضيفاً أنّ النسيان مسألةٌ من الواجب على أيّ فلسفة نقدية عربية أن تضعها في اعتبارها لكي يمكن التخفُّف من ثقل الماضي في الوقت الذي يحرّر الماضي نفسه من عبثية الراهن وعبئه.


بطاقة
كاتب وأكاديمي مغربي من مواليد عام 1973، صدرت له عدة أبحاث وكتب من بينها: "رسالة إلى مفكر هَرِم: قراءات في الفلسفة الحديثة" (2015) و"سياسات الضيافة: شذرات من خطاب في الغيرية" (2016)، و"نقد الحرية: مدخل إلى فلسفة ايمانويل ليفيناس" (2018). يعمل حالياً أستاذاً للفلسفة المعاصرة في "معهد الدوحة للدراسات العليا" ومدير تحرير دورية "تبيُّن" للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية.