رسالة إلى البردّوني

03 سبتمبر 2019
لا بريد يصل بين العالَمين، عالم الأحياء وعالم الموتى، لكنك، يا مولانا عبدالله البردّوني، لم تمت إلا جسداً، فأنت يا "مُضيف الحتوف" لم تكن قصد الموت، إنما جاء كي تجيء القصيدة! 
اليوم ذكراك العشرون، سنحتفي بها ونحن نردد قولك:
أيها الآتي بلا وجه إلينا… لم تعد منا ولا ضيفاً لدينا
غير أنا... يا لتزييف الهوى… نلتقي اليوم برغمي رغبتينا
سترانا غير من كنا كما… سوف تبدو غير من كنا رأينا
أسفاً ضيعتنا... أو ضعت من… قبضتينا يوم ضيعنا يدينا
ربما جئنا بلا وجهين أو… ضاع وجهانا ومرأى وجهتينا
غير أنا كل عام نلتقي… عادة والزيف يخزي موقفينا!
فهل أخزانا الموقف؟ بصراحة لست أدري، لكن الذي أدريه أننا قد تغيرنا، فهل تراك تغيرت؟
يا مولانا عبد الله البردّوني... هل تدري أننا في حرب، لكنها من دون حكمتها التي تهدّ لتبني، بل غاياتها: أصابوا أطاحوا، ورحنا وهم نعدد كم أرقنا منهم، ومنا أراقوا، لا استرحنا، ولا الخصوم استراحوا.. ورفعنا مع الوطن، ونحن تحت القصف، صوتك مرددين:
فليقصفوا، لست مقصفْ… وليعنفوا، أنت أعنفْ
وليحشدوا، أنت تدري… أن المخيفين أخوفْ
أغنى، ولكن أشقى… أوهى، ولكن أجلفْ
أبدى ولكن أخفى… أخزى ولكن أصلفْ
لهم حديدٌ ونارٌ.… وهم من القشِّ أضعفْ
هل تسمع صدى الانفجارات وهي تطوّح بالبلد، أم أنك في نومك الطفولي، ونحن لنا زغاريد الصواريخ الشوادي؟
***
يا مولانا عبد الله البردّوني، في جحيم الحرب، لا نزال ننوح الرجالَ بلا نواحٍ، وكذلك نموتُ كما نحيا بلا رَشَدِ. وقد تستغرب من ذلك، لأن كل فوجٍ يموتُ ننساه بأربعة، حتى لم يعدْ أحدٌ يبكي على أحدِ، وهكذا صرنا نردد قولك "يا عمّ… ما أرخص الإنسان في بلدي"، بل لقد صار أرخص من الرخص نفسه، حتى أصبحَ "كلُّ شيءٍ رائجاً منتعشاً.. هل سوى الإنسان معروضٌ وبائر؟". الإنسان هذا هو الإنسان اليمني الذي أرخص قيمته السياسيون من كل لون.
أرخصوه لأنهم "رخاص" فانبطحوا، ولا يزالون على انبطاحهم محافظين، فلا نستغرب أن "يرتقي العهرُ على العهر، إلى... آخر المرقى، لأن السوقَ عاهر"، فتتحرك الأيدي الخفية، لأن المعتدي خلف الستار يحث أبطال المسارح، فتصبح هذي الكباش الآدمية باسم عالفها تناطح. ونحن في جحيم الحرب نسأل مستغربين مثلك:
كم إلى كم، تفنى الجيوش افتداءً… لقرودٍ يفنون لثماً وضمّاً
وهذه الجيوش ما تفعل غير تقديم وجبة القتل والموت، فهل أصبح القتلُ بعد القتل طبَّ الأمة الحمقا؟ لمَ لا؟، فقد صار قتلُ هذا الزمان خفيَّ الخطى، وبعيدَ المدى، عالميَّ الحيل، حتى أصبحت وحدها النجاةُ المعابة، وأصبح الموت احتياطاً مثل أبطال المقاهي، ومن اعتياده أصبح لسان الإنسان في هذه المنطقة الجغرافية المنسية يقول:
غير ذا الموت أبتغي، من يريني… غيره لم أجد لذا الموت طعما
أعشق الموت ساخناً، يحتسيني… فائراً، أحتسيه جمراً وفحما
أرتعيه، أحسه في نيوبي… يرتعيني، أحس نهشاً وقضما
***
مولانا عبد الله البردّوني: وعلى الرغم من سوداوية الصورة، لا يزال المواطن اليمني يترّقب آخر الحرب الذي لا يأتي، فراح يدندن بقولك: آخرُ الحرب كبدء الحرب، لا... يبتدي النصرُ، ولا للحرب آخر". هل تتذكر عمّار بن ياسر العنسي؟ يسقط كل يوم هنا، يسقط لتصبح "صلواتُ النفط سفيانيةً.. والمصلى، لحمَ "عمار بن ياسر". التقى الحاضر بالماضي، لـ "أنها نفسُ الضحايا والمُدى... آخرُ التجديد، في شكلِ الوتائر".
ويكاد الحزن يسألنا: "ولماذا ينطفي أحبابنا.. قبل أن يستنفد الزيت الذبال؟ ثمّ ننسى الحزنَ بالحزن ومن... يا ضياع الردّ ـ يُنسينا السؤال؟" وعمَّ يبحث الجميع؟ يقولون إنهم يبحثون عن النصر، وإنه نصرُ الأقوياء بلا فهمٍ... سوى فهم كم باعوا…وكم كسبوا، بعد أن قالوا: إنهم البشرُ الأرقى، لكنهم ما أكلوا… شيئا كما أكلوا الإنسانَ أو شربوا!
لكن اليمن، على الرغم من بخل الغيث ما برحتْ حبلى، وفي بطنها (قحطانُ) أو (كربُ)
وفي أسى مقلتيها يغتلي (يمنٌ)… ثانٍ كحلم صباً ينأى ويقتربُ
وما يزال ينأى ويقتربُ
والأرضُ لا تزالُ على عهدها، والشمس مازالت تغادي.
42B2039F-DC93-4AB1-B22E-8270020BD42E
عبد الحفيظ العمري (اليمن)