المعرِّي البصير

21 سبتمبر 2019
بيتان من الشعر قالهما أبو العلاء المعرِّي كأنه نحتهما من سِفْر الوجود أو سَلّهما من فم الحكمة الخالدة: الأول: "تَلَوا باطِلاً، وجَلَوا صارِمًا/ وقالوا: صَدَقنا فقُلتُم: نَعَم". .. أليس هذا هو مبدأ الخنوع لكل مُستبدّ مُتسلّطٍ بالقوة في كل عصر؟ جاء البيت الشعري مكونًا من مقدمة وحوار، كأنه أقصوصة كاملة، بحيث لو أعدنا كتابته لكان هكذا: 
تلَوا باطلاً وجَلَّوا صارمًا (إخبارًا بما جرى) وقالوا: أصبنا؟ فقلنا (أو قلتم): نعم.
البيت الآخر قوله: "تَـعَبٌ كُـلّها الـحَياةُ فَـما أعْـ/ ـجَـبُ إلاّ مِـنْ راغبٍ في ازْديادِ!". .. إنه تعبٌ متصل بقدر تواصل الحياة وتردد الأنفاس في مسيرتها من الميلاد إلى الوفاة. وقد وضعتُ علامة التعجب في عَجُزِ البيت متعجبًا، لا أدري، هل من قول المُعرِّي أم من تعب الحياة أم من الراغب في ازدياد هذا التعب، أم من كلها مجتمعة؟
المعرِّي رجلٌ خَبِرَ الدنيا التي سمّاها، تهكمًا وسخريةً، أم دَفر (الدَّفْرُ هو النتن ويُقال للحم خاصة)، منها قوله: يا أُمّ دَفرٍ، لحاكِ اللَّهُ والدَةً/ منكِ الإضاعةُ والتّفريطُ والسَّرَفُ..
حتى قال عنه الشاعر عبد الله البردوني، معرِّي القرن العشرين: (أمُ دفرٍ) كعهدها كلُ آت/ كالذي فات يا حكيمَ المعرَّة".
لقد تهكّم المعرِّي على كل ما حوله، حتى على كنيته أبو العلاء، فقال: "دُعيتُ أبا العَلاءِ، وذاكَ مَيْنٌ/ ولكنّ الصّحيحَ أبو النُّزول". والمَيْن هو الكذب.
هذه الخبرة عن الدنيا لدى أبي العلاء قد مكّنته أن يصدح في جُرْأَة عظيمة بكل قول خالج نفسه، من دون خوفٍ من عقاب أو وَجَلٍ من حساب أو خجلٍ من عتاب.
في دواوينه صراحة بلغت حد الصفاقة أحيانا، لم نجدها عند غيره، ولا غرابة؛ فإنَّ له من لقبه المُعرِّي نصيبا، فقد عرّى فضائح زمانه وناسه، حتى يكاد يصدق عليه قول البردوني:
له وجههُ الفردُ… لا يرتدي/ وجوهًا تغطي الوجوهَ القبيحة
يُعرّي فضائحَ هذا الزمان/ ويَعْرى، فيبدو كأنقى فضيحة
ترى وجهَها الشمسُ فيه كما/ ترى وجهَها، في المرايا المليحة.
تعليق: