رئاسيات تونس تحاصر الانتخابات التشريعية

18 سبتمبر 2019
الصورة
نتائج الانتخابات الرئاسية ستعمّق نتائج الانتخابات التشريعية (ياسين قائدي/الأناضول)
مرّت أربعة أيام على انطلاق حملة الانتخابات التشريعية في تونس المقررة في 6 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فيما طوت أسبوعها الأول في الخارج، من دون أن يشعر التونسيون بحراكها وزخمها، على الرغم من أنّ المنافسة تدور بين 15 ألف مرشّح يتسابقون على 217 مقعداً في ثاني عهدة برلمانية لمجلس نواب الشعب منذ قيام الثورة وإصدار دستور الجمهورية الثانية. ويحدث ذلك في ظلّ عدم تجاوز التونسيين بعد نتائج الانتخابات الرئاسية المبكرة التي أجريت يوم الأحد الماضي، ومفاجأة عبور المرشحين؛ المستقلّ قيس سعيد، والسجين نبيل القروي، إلى الدور الثاني، ليبدو أنّ نتائج الاستحقاق الرئاسي في دوره الأول وما سيفرزه من معادلات جديدة، ستحاصر الانتخابات التشريعية، وهو الأمر الذي تتحسّب له الأحزاب.

وبينما يستعدّ التونسيون للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، تحاول الأحزاب والقوائم المستقلة لملمة قواعدها المنفلتة إلى الانتخابات التشريعية، بعد أن تبيّن المزاج الانتخابي العام، وعكس بوضوح موجة الغضب العارمة من منظومتي الحكم والمعارضة على السواء، ما قد يقلب التوازنات داخل قبة باردو (مقر البرلمان التونسي) ويفرز واقعاً سياسياً جديداً.

ويمنح النظام السياسي التونسي البرلمان سلطة مطلقة في القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وقد تجلّى ذلك بوضوح على امتداد السنوات الخمس الماضية، إذ عجزت الحكومة والرئاسة التونسية، على الرغم من كل ما كان يملكه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي من ثقل برلماني وسياسي، عن فرض أي مبادرة تشريعية على البرلمان الذي كان يعارضه في معظم الأحيان. كذلك، لم يتمكّن رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأيضاً سلفه الحبيب الصيد، من فرض أي شيء على البرلمان، إلا بما أُتيح أحياناً جراء تحالفات تظهر وتغيب مع بقية أحزاب الائتلاف الحاكم، وهو ما يجعل القرار الأخير والسلطة المطلقة بيد البرلمان فعلياً. وفي غضون ذلك، اصطدم الجميع بمعادلات عرقلت البرلمان وجعلته يفشل على مدى خمس سنوات في إتمام الهيئات الدستورية الأساسية، بسبب الخلافات الحزبية، وهو ما يدلّ على أنّ الحياة السياسية الفعلية تدور داخل أروقة البرلمان، وليس في قصر الرئاسة.

وعلى الرغم من أنّ الانتخابات التشريعية تختلف كثيراً عن الرئاسية، لأنها تحتكم إلى شخصيات محلية في الغالب، وتأثيرات جهوية وقبلية وعشائرية، إلا أنها لن تكون بمنأى عن تداعيات الاستحقاق الرئاسي. ويبدو اليوم أنّ الأحزاب ستعود سريعاً لقراءة عمليات التوقّع التي كشفتها مؤسسات استطلاع الرأي منذ أكثر من عام.

ويتصدّر حزب "قلب تونس" الذي يرأسه نبيل القروي، ولم يمرّ على تأسيسه أكثر من شهرين، نوايا التصويت للانتخابات التشريعية، بل إنّ بعض التونسيين الذين سألتهم مؤسسات استطلاع الرأي سابقاً، كانوا يضعون حزب القروي في المقدمة قبل أن يتأسس، وقبل أن يكون له اسم أصلاً، ولكن أحداً لم يكن ينصت.

وبحسب الأرقام والمعطيات المتوفرة، فإنّ حركة "النهضة" يمكن أن تخرج مستفيدة من الوضع الحالي، لأنّ أغلب الوجوه الرئاسية التي جاءت في قائمة العشر الأوائل ليس لها أحزاب، وكثير منها قريب فكرياً من الحركة وينتمي في العموم إلى العائلة السياسية نفسها، بالإضافة إلى أنها حصلت على نسبة تصويت معقولة في الانتخابات الرئاسية أظهرت شيئاً من تماسكها. ومع ترشّح رمزها راشد الغنوشي للتشريعية، يمكن أن تحصل "النهضة" على نسبة معقولة من الأصوات، أو أن يتواصل المدّ الغاضب نفسه في هذا الاستحقاق.

ويستدعي الوضع أيضاً محاولة فهم الميكانيزمات التي تحرّك الناخب التونسي، إذ يمكن بدافع المحافظة على التوازنات أن يذهب في اتجاه مخالف في الانتخابات التشريعية لإحداث نوع من التوازن السياسي، وقد يعود لمنح الأحزاب التقليدية وجوداً يمكّنها من مراقبة المشهد. ولكن الشخصيات الرئاسية التي جاءت في المراتب الأولى يمكنها أن تؤثّر في المشهد البرلماني إذا ما انحازت لأحزاب أخرى بغية الاستفادة من زخمها الرئاسي، وخلق امتداد برلماني لها، يمكّنها من المشاركة في القرار المستقبلي. وتتجه الأنظار إلى أصوات الناخبين مثلاً لصالح المرشح الذي حلّ في المرتبة السابعة، لطفي المرايحي، الذي يرأس "الحزب الشعبي الجمهوري"، وما إذا كان سيحقق حزبه في التشريعية ما حققه هو في الرئاسية، ويتحوّل إلى رقم برلماني مهم.

ويبقى التساؤل الأهم متعلقاً بأحزاب المعارضة السابقة، وخصوصاً اليسار، إذ لم يحصل بعضها في الانتخابات الرئاسية على واحد في المائة من الأصوات، ما يطرح إمكانية خلق مشهد سياسي جديد بالكامل لناحية الأغلبية الحاكمة المنتظرة، ولناحية المعارضة أيضاً.

في السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد الغواري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "الناخبين لن يطووا صفحة الرئاسية ما دام الجدل متواصلاً حول إمكانية إسقاط المرشّح نبيل القروي، وفرضية صعود المرشّح الذي يليه عبد الفتاح مورو".

وأضاف الغواري أنه "على الرغم من أن تونس جمهورية برلمانية، نظام الحكم فيها برلماني معدّل، حيث يمثّل البرلمان السلطة الأصلية ومنه تنبثق حكومة يمنحها الثقة ويزكيها، ويمنح دستورها رئيس الحكومة صلاحيات أوسع من رئيس الجمهورية، إلا أنّ التونسيين تتعلّق أفئدتهم بمنصب رئيس الدولة الذي ترسخت حوله منظومة الحكم طيلة عقود ومنذ الاستقلال. حتى إنه لليوم لم يتخلّص الخيال الشعبي التونسي من صورة الرئيس ومن نظام الحكم الرئاسي".

ولفت الغواري إلى أنّ "تداعيات الانتخابات الرئاسية المبكرة ستكون واضحة وجلية على الانتخابات التشريعية، لا بتأخّر الحملة الانتخابية للأخيرة فحسب، بل إنّ نتائج الرئاسية ستعمق نتائج التشريعية، إذ يرجح انعكاس التصويت للمرشّح نبيل القروي بفوز حزبه قلب تونس بعدد مهم من المقاعد. كذلك سينعكس فشل مرشحي المنظومة الحاكمة على أحزابهم، من خلال تراجع وشيك لمكانة حزب تحيا تونس والنهضة وأحزاب المعارضة أيضاً لصالح المستقلين، وقوائم جمعية عيش تونسي، والجمعيات الخيرية التي انقلبت إلى قوائم انتخابية".

ورأى المتحدث نفسه أنّ "أي موعد سيحدد للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، سواء قبل التشريعية أو بعدها، ستكون له تأثيرات أكيدة، من بينها عزوف قسم مهم من الناخبين الذين خاب أملهم بمرشحيهم، في وقت ينتظر أن تبذل الشخصيات الخاسرة في الرئاسية جهداً أكبر لتدارك خسارتها، من خلال دفع قوائم أحزابها للفوز لضمان أغلبية برلمانية في مجلس الشعب المقبل".

ومن المنتظر أن تتناظر القوائم الانتخابية وتتنافس في عرض برامجها الاقتصادية والاجتماعية لإقناع الناخبين واستمالتهم في فترة الحملة الانتخابية التي تمتد على مدى ثلاثة أسابيع. وتختلف الحملة التشريعية عن الرئاسية من حيث الصلاحيات الأوسع للبرلمان الذي تنبثق من رحمه الحكومات، ويعدّ المسؤول الأول عن مراقبتها ومحاسبتها بشكل يفرض أن تكون الحملة أكثر دسامة وتشعباً من الوعود الرئاسية.

وفي السياق، أكّد عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، سفيان العبيدي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ عدد المرشحين للانتخابات التشريعية يبلغ قرابة 15 ألف مرشح موزعين على 33 دائرة انتخابية؛ 27 داخل تونس و6 خارجها.

وتتنافس 1503 قوائم، موزعة بين 673 قائمة حزبية و312 ائتلافية و518 مستقلة على 217 مقعداً في مجلس نواب الشعب الذي تدوم عهدته 5 سنوات، منهم 18 برلمانياً يمثلون أكثر من 1200 تونسي يعيشون في المهجر.

ولفت العبيدي إلى أنّ هيئة الانتخابات قبلت خلال انتخابات 2014، 1326 قائمة انتخابية من جملة 1504 قوائم. وأوضح أنّ الهيئة أعدّت كل مستلزمات إنجاح الانتخابات التشريعية الحالية، مشيراً إلى أنه تمّ تخصيص 4809 مراكز اقتراع، منها 4567 بالداخل و302 مركز بالخارج، وتشتمل على 13830 مكتب اقتراع، منها 13446 داخل البلاد و384 مكتباً في الخارج.

وأضاف أنّ الهيئة ستجنّد 55000 عضو مكتب ومركز اقتراع، منهم 1450 خارج البلاد و54408 داخل تونس، إلى جانب تكليف فريق مراقبة لضمان حسن سير العملية الانتخابية يبلغ عدده 1550 مراقباً و350 منسقاً محلياً.

وتابع العبيدي أنّ الانتخابات التونسية تدور في كنف الشفافية والنزاهة، وقد تمّ منح اعتماد لأكثر من 20 ألف مراقب محلي من منظمات وجمعيات مهتمة بمتابعة الانتخابات، إلى جانب اعتماد قرابة 480 مراقباً أجنبياً و120 ضيفاً مهتماً بالحدث الانتخابي، كما تمّ منح بطاقة اعتماد صحافي لأكثر من 1800 صحافي محلي وأجنبي.

وأوضح العبيدي أنه ستخصص موازنة للتشجيع على الانتخاب في التشريعية لتفادي العزوف الانتخابي، مشيراً إلى أنّ عدد الناخبين المسجلين يبلغ 7074566، منهم 6688513 داخل البلاد و386053 ناخباً في الخارج وسيتم حثهم وتشجيعهم على الإقبال على التصويت.

وتسجّل الانتخابات التشريعية مشاركة مهمة لعدد من زعماء الأحزاب والوزراء والشخصيات السياسية المعروفة، على غرار رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، متصدر المشهد البرلماني الحالي الذي يمثل ترشحه أول مشاركة انتخابية في رصيده السياسي.