رئاسيات بولندا: يوم الحسم وقلق أوروبي من نظام "الحزب الواحد"

12 يوليو 2020
الصورة
تنافس بين دودا وترزاسكوفسكي (ماجا هيتيج/Getty)

يواصل البولنديون، منذ صباح اليوم الأحد، التوجه نحو صناديق الاقتراع، في جولة ثانية لحسم السباق الرئاسي بين الرئيس الحالي المحافظ القومي أندريه دودا، ومنافسه الليبرالي رئيس بلدية العاصمة وارسو رافال ترزاسكوفسكي. 

ولم يحسم تصويت 29 يونيو/ حزيران الماضي النتيجة لأيّ مترشح، وبقيت المنافسة بين دودا ( 41 في المائة) وترزاسكوفسكي ( 30 في المائة).

وتكتسي انتخابات اليوم أهمية داخلية وأوروبية، تتعلق باتجاهات بولندا المستقبلية داخلياً وخارجياً. 

ويُتهم حزب "القانون والحرية" والرئيس دودا بأخذ البلد نحو قيم قومية متشددة، والتركيز على مسائل الدين والأسرة، واتهامات بـ"إلغاء فصل السلطات"، بحسب المخاوف والانتقادات الأوروبية، حيث يعوّل الاتحاد الأوروبي على رافال ترزاسكوفسكي صاحب التوجه الأوروبي.

وتبرز عدد من المآخذ الداخلية والخارجية على سياسات التشدد القومي في وارسو، حيث إن الأخيرة تنتهج سياسات شبيهة بسياسات رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، الموصوفة بـ"غير الليبرالية". ويسود قلق داخلي وخارجي أيضاً على استقلالية القضاء والإعلام في البلدين.

السياسات التي يراها الأوروبيون متناقضة مع قيم اتحادهم، يُتهم زعيم حزب "القانون  والعدالة"، ياروسلاف كازينسكي، بأنه المحرك الرئيس لها.

ويتزايد قلق البولنديين مع نفوذ حزب "القانون والعدالة" في النظام القضائي ووسائل الإعلام والتعليم والجيش، بحسب خبير الشؤون البولندية البرفسور الدنماركي سفيند غوتلاك راسموسن، في مقال رأي في صحيفة دنماركية أول أمس الجمعة.

فكازينسكي، الذي يعده الأوروبيون أقرب إلى النهج الروسي، وخصوصاً الرئيس فلاديمير بوتين، تصادم العديد من المرات مع ساسة الاتحاد الأوروبي، ومع القضاة في بلده، بسبب استمراره وحزبه في سياسة الهيمنة وتشديد القبضة على السلطة، بأشكال يقرأها مختصون "غير ديمقراطية"، ومهددة لمبادئ عمل الاتحاد الأوروبي في دول شرق أوروبا (المنضوية بعد انهيار الكتلة الشرقية إلى الاتحاد).

تزايد قلق البولنديين مع نفوذ حزب "القانون والعدالة" في النظام القضائي ووسائل الإعلام والتعليم والجيش

ويعتبر كازينسكي معركة الرئاسة في بولندا معركته الشخصية، وهو الذي فقد شقيقه التوأم الرئيس الأسبق في البلد ليخ كازينسكي، وتوترت علاقته برئيس الاتحاد الأوروبي السابق دونالد توسك، باتهامه له بأنه وقف وراء سقوط طائرة الرئاسة العائدة من زيارة لموسكو في 2010.

 

عين أوروبا على النتائج

ومشكلة بولندا تبدو أعمق من نتيجة من سيترأس البلد بعد فرز أصوات اقتراع اليوم. فالحزب الحاكم بأيديولوجية قومية محافظة حد التشدد استطاع، خلال السنوات الماضية، إدخال عمليات "إصلاح" على النظام القضائي لتحويله إلى ذراع مسيطر عليه من الحكومة. هذا بالإضافة إلى تغييرات دستورية تتنافى مع شروط عضوية وارسو في الاتحاد الأوروبي. ولو كان النظام الحالي هو القائم فترة الانضمام إلى النادي الأوروبي، لما قبلت عضوية البلد فيه، بحسب ما يشدد غوتلاك راسموسن في مقاله عن الحالة البولندية.

وعلى صعيد وسائل الإعلام، أجرى الحزب تعديلات شبيهة بتلك في بودابست، فأصبحت هيئة البث العام تحت السيطرة، والإعلام المستقل جرى تفريغ استقلاليته وتهميشه، بتوجه خطاب الحكومة إلى ما يشبه الخطاب الشعبوي، باستهداف الفقراء والفلاحين (وهو ما منح دودا أصوات الريف في الجولة الأولى) من خلال قنوات ووسائل إعلام الدولة.

وبالنسبة إلى قادة حزب "القانون والعدالة"، فإن الشعب البولندي يحتاج إلى "منقذ"، ما يجعل كازينسكي يرمي بكل أوراق قوته وحزبه خلف المرشح دودا، ويتجاهل تماماً الانتقادات الأوروبية والتهديد بتعليق حق البلد التصويت في القضايا الأوروبية.

ويتهم ساسة الاتحاد الأوروبي والمعارضة البولندية حزب "القانون والعدالة" بالتصرف على طريقة شراء الولاءات. ومثلما فعل فيكتور أوربان في المجر، بتركيزه على "قيم الأسرة المسيحية" و"تشجيع الإنجاب"، فقد توجه الحزب في الاستفتاءات التي أقامها لفرض تغييراته على النظام إلى نظام "منحة للأطفال المولودين"، وتقديم دعم مالي للأسر التي تنجب المزيد من الأطفال، ورفع الراتب التقاعدي لكسب تأييد الشعب.

يتهم ساسة الاتحاد الأوروبي والمعارضة البولندية حزب "القانون والعدالة" بالتصرف على طريقة شراء الولاءات

المرشح الليبرالي المنافس لدودا، رافال ترزاكوفسكي، لا يرى أنّ هناك مشكلة في الإجراءات التي تدعم المتقاعدين والأسر لو كانت تحت حكم ليبرالي. وعليه، يعد الرجل الناخبين بأن يبقي على نظام الدعم الاجتماعي، لكنه يرفض أن يكون "في سياق شراء الولاء والتصويت"، بحسب ما نقلت عنه بعض الصحف، كصحيفة "غازيتا وايبوركزا" بعد الجولة الأولى من الانتخابات، معتبرة أن التصويت اليوم هو "تصويت على الديمقراطية في بولندا". 

واتهمت الصحيفة الليبرالية معسكر دودا بأنه يأخذ البلد "إلى نظام استبدادي، فإما ننزلق إلى ذلك أو ننتهج الطريق إلى الديمقراطية".

وبالرغم من أن المرشح والرئيس الحالي أندريه دودا يقدم نفسه على أنه "مستقل" حزبياً، إلا أن الناس لم تنسَ بعد أنه كان عضواً قيادياً في حزب "القانون والعدالة"، ولا تسخير وسائل الإعلام المهيمن عليها حكومياً لمصلحة إعادة انتخابه. 

وإذا أعيد انتخاب دودا اليوم، فإن أزمة تلوح في الأفق في علاقة وارسو بالاتحاد الأوروبي، الذي يراقب من كثب مجريات العملية ونتائجها، تحت تهديد فرض عقوبات بتفعيل البند السابع من المعاهدة الأوروبية (بتعليق حق بولندا في التصويت في المجلس الأوروبي ومؤسساته). 

ويراهن ساسة الاتحاد الأوروبي على نجاح الليبرالي من يمين الوسط التقليدي، رافال ترزاكوفسكي، لإعادة النظر بقوانين "دولة القانون" لاستعادة الاستقلالية للنظام القضائي، وإلغاء هيمنة الحكومة عليه وعلى وسائل الإعلام.

وما يقلق الأوروبيين أيضاً، أن يزيد الشرخ والفرز في المجتمع البولندي، وأن يضرب الخطاب الشعبوي المحافظ  جذوره عميقاً، وبشكل معد لدول شرق أوروبا، مع  وجود ذات المشاكل في المجر. 

ويخشى الأوروبيون أن تكون نسب التصويت لمصلحة المرشحين متقاربة، "وهو ما سيخلق مشكلة هوية عميقة في بولندا"، كما رأت الخبيرة في الشأن الأوروبي الشرقي، فيبا ترمانسن، في حديثها لـ"بوليتكو أوروبا"، قبيل انطلاق انتخابات اليوم.

آخر الاستطلاعات 

وقبل يومين، أشارت مواقع بولندية، بحسب آخر الاستطلاعات، إلى أن أندريه دودا يتوقع أن يحصل على 53 في المائة من الأصوات، ورافال ترزاسكوفسكي على 47 في المائة.

كما تفيد استطلاعات أخرى إلى أن المرشحين لن يتجاوزا عتبة الـ50 في المائة في انتخابات اليوم.

وتضيف تلك المواقع، استناداً إلى بحث لمركز "إبريس" للانتخابات، أن نحو 10 في المائة من الناخبين لم يقرروا بعد لمن سيمنحون صوتهم قبل إغلاق صناديق الاقتراع في التاسعة من مساء الأحد.

وشارك في انتخابات الجولة الأولى نحو 67 في المائة من البولنديين.​