رأس سنة الأمازيغ

رأس سنة الأمازيغ

12 يناير 2016
الصورة
رقص لاستقبال العام 2966 (توفيق زيتوني)
+ الخط -

يعتمد الجزائريون في تسيير يومياتهم، على ثلاثة تقاويم خلال السنة؛ الميلادي في المجال الإداري، والهجري في مجال العبادات والأعياد المعروفة عند المسلمين السنّة، والأمازيغي في المجال الزراعي. هكذا، بحلول اليوم 12 يناير/ كانون الثاني أو ينّار وفورار بلغة الأمازيغ الجزائريين من عام 2016، يكون التقويم الأمازيغي قد بلغ 2966 عاماً. وهو بذلك يُعدّ أقدم من التقويم الميلادي بتسعمائة وستين عاماً.

يُجمع الباحثون في الثقافة الأمازيغية على أن تأسيس الملك الأمازيغي الأول ششناق للعائلة الفرعونية الثانية والعشرين، بعد معركة وقعت على ضفاف نهر النيل في القرن التاسع قبل الميلاد، كان منطلق هذا التقويم الزراعي بامتياز.

ويعدّ رأس السنة الأمازيغية مناسبة للإعلان عن الهوية، من خلال جملة من الرموز، يأتي في طليعتها اللباس، خصوصاً ما يعرف بـ "الفوطة" المزركشة عند النساء. وتختلف طقوس وعادات الاحتفال، من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي كلها في الإعلان عن الارتباط بالأرض والحماسة في زراعتها. يُذكر أن الأمازيغ يتوزعون في المدن الجزائرية بنسب متفاوتة، غير أن ثمّة مدناً في الجهات الأربع تسكنها أغلبية أمازيغية. على سبيل المثال بجاية وتيزي وزو في الشمال، وخنشلة وباتنة في الشرق، وجانت وإيليزي في أقصى الصحراء، وبني سنوس في الغرب على الحدود المغربية.

في هذا الإطار، يوضح الأستاذ المحاضر في جامعة باتنة طارق ثابت ورئيس "جمعية الشروق"، أن أمازيغ الشرق الجزائري المعروفين بالشاوية، يعمدون في هذه المناسبة إلى طلاء البيوت وتغيير أحجار مواقد النار تعبيراً عن التجديد. كذلك يُحمّصون القمح والشعير ويذرّونه في الهواء، استبشاراً بسنة فلاحية مثمرة. يضيف ثابت أن "أبرز ما تطبخه نساء الشاوية في هذا اليوم، هو طبق الشخشوخة وطبق الكسكسي المرفق بلحم الديك الذي يُذبح في المنزل للتبرّك بدمه. ولا ننسى حلوى الزيراوي والطمينة التي تحضّر بتحميص القمح وطحنه ومن ثم إضافة العسل والزبدة ومعجون التمر. وبعد خلطها جيداً وتزيينها بالمكسرات، يتناولونها في الطبيعة مع الأطفال".

اقرأ أيضاً: حرب الأزقّة.. معارك عدم التجانس في الجزائر

من جهته، يخبر المدوّن أنور رحماني أن في منطقة شنوة التي تبعد عن الجزائر العاصمة نحو مائة كيلومتر غرباً، وأشهر مدنها شرشال التي كانت عاصمة للملك الأمازيغي يوبا الثاني (توفي عام 23)، "تشتري العائلات الحلوى وكل أنواع المكسرات وتلتقي في البيت الأكبر. ويوضع أصغر طفل أو طفلة في العائلة في صحن كبير وترمى عليه الحلوى والمكسرات، أملاً في أن تكون حياته حلوة. من ثم، تملأ الأكياس من الحلوى والمكسرات نفسها وتوزّع على الحاضرين بالتساوي، في سهرة تنتعش فيها المحكيات والأغاني التراثية".

تُعدّ منطقة بني سنوس غرب مدينة تلمسان، نموذجاً للمناطق الأمازيغية التي تعرّبت لساناً، لكنها بقيت محافظة على طقوسها وعاداتها الموروثة، ومنها احتفالية "أيراد" على مدار ثلاثة أيام بمناسبة رأس السنة الأمازيغية. ويلخّص الناشط علي عبدون المتخصص في ثقافة المنطقة هذا الطقس، قائلاً: "يرتدي شباب من المنطقة، يُختارون سرّاً، أزياء وأقنعة عند حلول الليل، ويخرجون ملتفين على شخص يمثل دور الأسد وهم يرددون أهازيج تتغنى بالخصوبة. حينها تظهر امرأة مقنّعة تمثل دور اللبؤة، راقصة وسط الجموع، ليتولى الأسد برفقة معاونيه من الأشبال، إزالة كل ما من شأنه أن يعرقلها". يضيف عبدون أن الطقس ينتهي في الساحة العامة، بجمع تبرعات توزّع على المحتاجين وبالتضرع للسماء من أجل موسم فلاحي بلا جفاف. ويشدّد على أنه "لا يمكن فصل الطقوس الأمازيغية عن الهواجس الزراعية وكذلك القاموس. إنه من أكثر قواميس العالم ثراءً بالمفردات المتعلقة بالنبات".

اقرأ أيضاً: اللهجة المحكيّة.. أزمة هويّة في مدارس الجزائر

في السياق نفسه، يتحدّث الكاتب جيلالي عمراني عن أهم الطقوس التي يتضمنها الاحتفال في منطقة زواوة شرق الجزائر العاصمة، والتي تعد البؤرة الأمازيغية الأبرز. يقول إنها تشمل الجوانب التضامنية والدينية والاجتماعية والبيئية أيضاً، "فنعدّ سبعة أطباق في المناسبة، انسجاماً مع رمزية الرقم سبعة. يأتي على رأسها طبق الكسكسي بلحم الديك البلدي، ولا نتزاور خلال السنة بالكثافة نفسها كما في هذه الأيام". ويؤكّد أن "الاحتفالات التي تقام في الساحات العمومية، من أكثر مظاهر التحام المجتمع الأمازيغي".

لكن عمراني يبدي أسفه إذ إن طقوساً وعادات وتقاليد بدأت في الاختفاء، مع رحيل معظم وجوه الجيل القديم وخضوع الجيل الجديد للتحولات التي تعرفها الحياة المعاصرة. ويوضح أن "السياسة ساهمت في ذلك، من خلال تركيز الناشطين الأمازيغ في السنوات الأخيرة على المطالب السياسية، ومنها دسترة لغتهم. فأغفلوا الجوانب الثقافية التي تلخّص ملامح هويتهم الحضارية. أتمنى أن تضع دسترة الأمازيغية أخيراً، حداً لهذا الإهمال". في هذا إشارة إلى أن مسوّدة تعديل الدستور الجزائري المطروحة للنقاش هذه الأيام من قبل مؤسسة الرئاسة، تضمّنت اعتبار اللغة الأمازيغية لغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة العربية. وهو المطلب الذي ظلّ يرفعه الناشطون الأمازيغ، منذ الاستقلال الوطني في عام 1962.

وهذه الخطوة الدستورية الجريئة، أثارت ردود أفعال كثيرة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وانقسم الجزائريون بين مرحّب ورافض ومتحفّظ. وفي تغريدة نشرها الباحث أحمد بن نعمان، كتب أنه من عائلة أمازيغية عريقة، غير أنه يحذر من عواقب دسترة الأمازيغية على الوحدة الوطنية التي كانت اللغة العربية صمام أمانها. أما أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة قسنطينة إسماعيل مهنانة، فقال إنه يرحّب "بالخطوة، لأنها تنصف لغة أصيلة في الفضاء الجزائري، غير أنني أدعو إلى كتابتها بالخط العربي، لأنه الأقرب إلى العرب والأمازيغ معاً، لا بالخط الفرنسي كما يدعو بعض المتأثرين بالثقافة الفرنسية". من جهته شكك الأمين العام السابق "للمحافظة السامية للأمازيغية" يوسف مراحي في تصريح صحافي في وهران، في نيّة السلطة التي سبق لها أن وعدت بتعميم تدريس اللغة الأمازيغية لكنها لم تفعل.

اقرأ أيضاً: شارع محرّم على نساء الجزائر

دلالات