دفاتر التعذيب في سجون مصر: أرشيف مثخن بالذكريات المؤلمة

06 سبتمبر 2019
الصورة
يمارس التعذيب في مصر بشكل منهجي (ِGetty)
+ الخط -
انتهت حملة التدوين عن التعذيب، التي دعا لها مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب- منظمة مجتمع مدني- يومي 4 و5 سبتمبر/أيلول الجاري بديلا عن مؤتمر إقليمي مغلق كان يفترض أن يعقد في القاهرة في الفترة نفسها وتم تأجيله إلى أجل غير مسمى من طرف مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، بناء على اعتراضات حقوقيين مصريين على عقد مثل هذا المؤتمر في بلد يمارس فيه التعذيب يوميا وبشكل منهجي نتيجة غياب إرادة سياسية للحد من انتشاره، ومحاسبة مرتكبيه.

ووجد المئات في هذه الدعوة الحقوقية، فرصة سانحة وملاذًا مليئاً بالتضامن، للحديث عن وقائع تعذيب جرت لهم من قبل السلطات المصرية، خلال فترات احتجازهم.

وعبر وسوم (هاشتاغات)#ليس_بالكذب_يناهض_التعذيب⁩ ‫⁧‫#أنا_تعرضت_للتعذيب⁩ #أوقفوا_التعذيب_في_مصر، امتلأت دفاتر التدوين عن آخرها.

مقتطفات من دفاتر التعذيب

وفي إحدى تدوينات التعذيب التي حملها تقرير "أطفال بلا حماية"، تعرض الطفل م. للاعتداء الجنسي (...) والصعق بالكهرباء في أماكن حسّاسة بجسده لإجباره على الاعتراف بالانضمام لجماعة محظورة.

وجاء في تدوينة للمتهم أحمد عاطف عوض صالح، في جلسة التحقيق معه في 4 يناير/كانون الثاني 2017: "قعدوا يضربوني وكهربوني في كل حتة في جسمي، قلعوني هدومي كلها وكهربوني في كل جسمي وضربوني بالبونيات وادوني ورق أحفظه وصوروني قصاد الكاميرا.. عيني اليمين من كتر الضرب بتزغلل (...) ومن الكهرباء بقوم بالليل جسمي مرتعش ومنفوض".

أما في جزء من رسالة لأحمد عبد المنعم سلامة، الذي تم إعدامه في 22 أغسطس/آب 2015، فورد: "أخذوني في فجر هذا اليوم وبدأوا يستخدمون الصعق بالكهرباء في كل أنحاء جسمي حيث جردوني من ملابسي تماما ولم ينج من جسدي أي جزء من الصعق بالكهرباء، ولقد استخدموا أبشع أنواع العذاب من الكهرباء.. ومن كثرة استخدام الصعق الكهربائي تم احتراق جميع جسدي (...) وكانوا يستخدمون الجاز والبنزين أثناء الصعق بالكهرباء، حيث كانوا يدهنون الجسد بالبنزين والجاز حتى يكون تأثير الصعق بالكهرباء أشد ألما وكنت أصرخ ولا أحد يرحمني من شدة التعذيب".

قتلى التعذيب في مقار الاحتجاز

رصد مركز النديم، عدد حالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز المختلفة، نتيجة التعذيب، منذ عام 2015 وحتى النصف الأول من 2019، ففي عام 2015 توفي 80 مواطنًا داخل مقار الاحتجاز المختلفة من بينهم 5 ماتوا إثر التعذيب. وفي 2016، مات 123 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، من بينهم 24 مواطنًا ماتوا بسبب التعذيب. وفي 2017، مات 118 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، من بينهم 20 مواطنًا ماتوا بسبب التعذيب. وفي 2018، مات 67 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، من بينهم 7 مواطنين ماتوا إثر التعذيب. وخلال النصف الأول من عام 2019، مات 30 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، بينهم 5 ماتوا إثر التعذيب.



أشهر أساليب التعذيب

رصدت منظمة "كوميتي فور جستس"، أشهر 19 طريقة لأساليب التعذيب بمقار الاحتجاز المصرية طبقًا لشهادات موثقة، يتصدرها أولا، التعليق كالذبيحة، الرأس لأسفل والقدمان لأعلى معلقتان في حبل، ويبدأ الصعق بالعصا الكهربائية في كل الجسد وبخاصة الأعضاء التناسلية، ثانيا: عصر الخصيتين باليد بشدة، وقرص الثديين كذلك، ثالثا: ربط سلك في الجسد يتم توصيله بجهاز كهربائي وصعق الجسد، والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء، رابعا: كل أشكال الصلب، فرد الذراع اليمنى وربطها في باب حديدي كبير (مشبك) أو على تصميم خشبي يُعرف (بالعروسة)، وكذلك الحال مع الذراع اليسرى، وربط القدمين مع فتحهما بشدة وإبعادهما عن بعضهما، أو ربط اليدين مقيدتين من الخلف في باب حديدي، أو ربطهما مقيدتين لأعلى، ثم الصعق بالصدمات الكهربائية والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء، خامسا، التمدد على الأرض مقيد اليدين من الخلف، وكذلك القدمين والتعذيب والصعق بالكهرباء في كل أنحاء الجسد، سادسا، التمدد على مرتبة مبللة بالماء ومتصلة بجهاز كهربائي، وأنا مقيد اليدين من الخلف، وكذلك القدمين، ويجلس شخص بكرسي بين كتفي، وشخص آخر بكرسي بين قدميّ المقيدتين، والسبب في ذلك شدة الكهرباء التي تقفز بالإنسان إلى الأعلى أثناء التعذيب، سابعا، الضرب بكف اليد اليمنى واليسرى على الوجه، وكذلك الضرب بقبضة اليدين، ثامنا، أصبح التعذيب بالكهرباء للأعضاء التناسلية منهجيا داخل أروقة سجون الأمن الوطني في مصر، حيث يتم توصيل أسلاك كهربائية بأعضاء المعتقل التناسلية، وصعقه مرارا حتى يغشى عليه، تاسعا، يستخدم الضباط أوضاع تعذيب متفرقة وشديدة الوحشية، كالكسر المتعمد للأطراف مع ترك المعتقل دون تجبير أو علاج، عاشراً، إطفاء السجائر في أجساد المعتقلين والجلد والشب.

أما الوسيلة الحادية عشرة التي رصدتها المنظمة، فتتعلق بالإهانة النفسية التي كانت حاضرة بقوة في مناهج التعذيب، إذ يجبر المعتقل أحيانًا على امتثال وضعيات "حيوانية" كالكلب والدودة، ويؤمر قهرًا أن يُعامل ككلب نابح ويخطو مثله لكي يعتق نفسه من حصة التعذيب اليومية، في الوسيلة الثانية عشرة، يتم تكسير الأصابع بإمساك كل إصبع على حدة ثم يجذبونه للخلف بكل قوة حتى تنفصل الإصبع أو تنكسر، وفي الثالثة عشرة، توصل الكهرباء بضرس العقل، ويتم الضرب بآلات حادة مع رش المياه حتى ينزف دماء.

وأوردت المنظمة ضمن الوسيلة الرابعة عشرة "وضع الشنطة"، حيث يؤمر المعتقل بالسجود عاريًا ثم يربط من يديه ورجليه، ثم يحمل كأنه حقيبة ويرمى على الطرقات، ثم يحمل إلى غرفة الجحيم، أما الخامسة عشرة فيتم ربط الكفين بكلبش ووضع الذراعين لأعلى ثم يدخلون خشبة ما بين يديه ورقبته من الخلف، فتلتصق الذقن بالصدر.

وتشمل الوسيلة السادسة عشرة ما سمي وضع البرص، إذ يعلق المعتقل من رجل واحدة على باب غرفة "الجحيم" ثم يضرب بالأحذية على الجسم والرأس، ويبصق عليه، وفي الوسيلة السابعة عشرة يؤمر المعتقل بالسجود عاريًا، ويتعرض لأبشع أنواع التعذيب الجنسي والصعق الكهربائي حتى يغشى عليه أو يموت، أما الثامنة عشرة، فيربط المعتقل من كفيه ويعلق في سقف غرفة "الجحيم" ثم يقوم أفراد التعذيب بإطفاء نيران السجائرة في جسمه، حتى يتورم ويحترق الجلد ليقوموا بعد ذلك بسلخ الجلد المحترق، وفي الوسيلة التاسعة عشرة، وفي وضع القرفصاء يتم توصيل الكهرباء بالأذنين والعضو الذكري، ويأمرون المعتقل بالجلوس على وضع القرفصاء ويسكب عليه الماء.

التعذيب في غرف التأديب

حسب مركز عدالة للحقوق والحريات- منظمة مجتمع مدني مصرية- فإن التعذيب في غرف التأديب يصاحب السجناء كما لم يصاحبهم أحد في رحلتهم داخل السجون، فإن ظنّ أحدهم إفلاته من أحد ألوانه وجد حظه من لون آخر في انتظاره..فهو مستمر لا ينقطع منذ اللحظة الأولى وحتى بعد أن تطأ آخر قدم لأحدهم "الأسفلت". فمن لم ينل حظه من غرفة التعذيب بكامل استعداداتها من الصعق بالكهرباء أو التعليق أو الضرب بالهروات أو غيرها، نال حظه من غرف التأديب وتعذيبه بمنع أي من حقوقه عنه كالزيارة أو التريض أو العلاج أو جميعهم، ولا يفرق السجن بين امرأة أو طفل أو عجوز، فالجميع تحت وطأة التعذيب سواء.

ومن بين أبرز النماذج للتعذيب في غرف التأديب، عائشة خيرت الشاطر، المحبوسة بزنزانة التأديب مساحتها متر في متر وثمانين سنتيمترا. والزنزانة بدون دورة مياه أو نوافذ، ويتم تعذيبها بمنع الزيارة ورؤية أطفالها، ومنع التريض. وقد فقدت نصف وزنها وساءت صحتها دون أي استجابة من النيابة أو إدارة السجن لتحسين أوضاعها.

وكذلك، علا القرضاوي، التي تسكن زنزانة انفرادية دون نوافذ أو تهوية على مدار 24 ساعة منذ 30 يونيو/حزيران 2017، ويتم تعذيبها بمنع التريض، فلا تخرج من الزنزانة سوى 5 دقائق يومياً للذهاب إلى الحمام، ومنع الزيارة فلم يسمح لأي من أفراد عائلتها بالزيارة، ومنع الطعام فلا يتم تقديم سوى القليل من الطعام يومياً، ومنع العلاج وهي التي تعاني الإهمال الطبي وتزداد حالتها سوءاً كل يوم.

وهناك حالة إبراهيم متولي، المحبوس منذ عامين، والذي تعرض للتعذيب البدني بالكهرباء في أماكن متفرقة من جسده، وتم تجريده من ملابسه، ثم سُكبت مياه باردة على جسده، ثم انتقل إلى مرحلة جديدة من التعذيب، فهو ممنوع من العرض على مستشفى السجن أو العلاج ودخول الأدوية برغم إصابته بالتهابات شديدة بالبروستاتا ورعشة بالأعصاب، وممنوع من التعرض للشمس؛ حيث أصيب بضعف شديد بالنظر وفقدان كبير للوزن، وممنوع من الزيارة والتريض.

وهناك أيضًا حالة الطفل كريم حميدة، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي تعرض للتعذيب البدني كالصعق الكهرباء في أماكن متفرقة من جسده والضرب والتهديد بالصعق بالكهرباء للاعتراف، وظل محتجزاً لما يزيد عن ثلاث سنوات في ظروف احتجاز غير آدمية، ثم تمت إحالة أوراقه للمفتي بالرغم من أنه يبلغ أقل من السن القانونية.