خليفة التليسي.. في معنى التأريخ

09 مايو 2019
الصورة
(خليفة التليسي)
+ الخط -
يرى المؤرّخ والشاعر الليبي خليفة التليسي (1930 – 2010) الذي تمرّ اليوم الخميس ذكرى ميلاده، أنه منذ أن غزا الإيطاليون طرابلس في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1911 وحتى اليوم الذي أصدر فيها المارشال الإيطالي بادوليو انتهاء المقاومة الليبية عام 1931، عاشت بلاده حقبة قاحلة من الناحية الثقافية.

كانت تلك الخلفية حاضرة لديه منذ أن درس لغة المستعمِر في المرحلة الثانوية، ثم حين انتقل إلى نابولي حيث أكمل دراسته ونال درجة الدكتوراه من "المعهد الشرقي"، إذ قرّر أن يعود إلى المصادر الإيطالية من أجل تدوين التاريخ الليبي المعاصر.

في البداية، أصدر عام 1972 كتاب "معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911-1931" الذي اعتمد فيه مراجع وضعها ضباط أو مسؤولون في وزارة المستعمرات الإيطالية لسير المعارك بعد أن قام بدراسة مقارنة بينها، ومدققاً بين الاختلاف في التسميات أو في الوقائع بين الوثائق الوطنية والأجنبية في عمل دؤوب ومضنّ استمر لخمسة أعوام متواصلة.

في تقديمه للكتاب، يضع تحليله الشامل حول العوامل التي قادت لصراع القوى الإقليمية على بلاده منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، واصطدامها مع الدولة العثمانية، ولا يغفل طبعاً التعريض لـ"عبء الرجل الأبيض" عبر ادعائه تمدين الشعوب التي يحتّلها من أجل مصالحه فقط.

واصل التليسي بناء سردية متكاملة عن تاريخ ليبيا منذ دخول المسلمين وحتى الاستقلال، فقدّم العديد من الترجمات المهمة في هذا الإطار مثل " طرابلس تحت حكم الأسبان (1968)، و"طرابلس من 1510 –1850" (1969)، و"الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا" (1971)، و"ليبيا أثناء الحكم العثماني" (1971)، و"ليبيا مند الفتح العربي حتى سنة 1911" (1974)، إلى جانب مؤلّفاته ومنها "بعد القرضابية"، و"كراسات ليبية".

تجدر العودة إلى إحدى محاضراته التي سبقت رحيله بأقلّ من عامين، حيث تنبّه إلى أن البحر المتوسطّ لا وجود له في الأدبيات العربية رغم أن العرب يتقاسمونه مع الأوروبيين، مشيراً إلى طمس المرويات الغربية للحضور العربي الإسلامي على ضفافه، وتقصير المؤرخين العرب عن توثيق تاريخهم المتوسطّي، وهي دعوة تلخصّ دوافعه لكتابة التاريخ خلال أكثر من أربعين عاماً.

الرؤية والمعرفة الموسوعية التي امتلكهما صاحب "حكاية مدينة" (1985)، وتمكّنه من اللغتين الإيطالية والعربية إلى جانب الإنكليزية، قادته إلى وضع سلسلة معاجم تشكّل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومن أبرزها "النفيس من كنوز القواميس: صفوة المتن اللغوي من تاج العروس ومراجعه الكبرى" (2001)، الذي خلّص فيه مفردات العربية مما داخَلَها من الألفاظ الغريبة.

كما خصّص كتاباً لا يزال يعتبر من أهم المراجع التي توثّق لمكونات المجتمع الليبي وجذورها وأنسابها، في "معجم سكّان ليبيا"، الذي صنّف خلاله جميع القبائل مع نبذة عن تراثها ورموزها وحياتها الاجتماعية.

ظلّ المؤرّخ واللغوي يتمنى أن ينادى بـ"الشاعر"؛ الأمنية التي ظلّت بعيدة بالنظر إلى التقدير لمؤلّفاته وجهوده في حقول أخرى، لكن ذائقته الرفيعة دفعته إلى الترجمة عن الأدب الإيطالي أعمالاً منتفاة مثل المجموعتين القصصيتين "صوت في الظلام" لـ لويجي بيرانديللو، و"ليلة عيد الميلاد" لـ دينو بوتساتي، إضافة إلى ترجمته الأعمال الكاملة للشاعر الإسباني لوركا عن الإنكليزية.

المساهمون