خربشات على هامش الفساد

خربشات على هامش الفساد

13 يوليو 2016
+ الخط -
في الربيع العربي، نزل الناس في المغرب إلى شوارع المدن الكبرى والصغرى، وهتفوا بإسقاط الفساد، شأن كل الأقطار التي بلغتها صرخة محمد البوعزيزي، وهاجموا بشكل عفوي مؤسسات اعتبروها المستفيد الأكبر، والمسؤول الأول عن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية المزرية، لينطلق مسلسل المواجهات الدامية مع قوى الأمن، في أكثر من موقع.
ولتجاوز الأزمة، ألقى الملك خطاباً على الشعب المغربي، تحدث فيه عن ضرورة القطع مع الفساد والمفسدين، وجعل من مسودة دستور 2011 أول خطوةٍ لتحقيق ذلك. كان خطابا مفصلياً في تلك المرحلة الصعبة، بحيث تراجعت الاحتجاجات بعده، وانسحب من الشارع من انسحب، وبقي من بقي تحت رحمة هراوات رجال الأمن.
تم ترويج الدستور الجديد بشكل قوي، بلغ حد استغلال خطب الجمعة، للتأثير في قرارات المواطنين وتوجهاتهم. كانت عبارة "نعم للدستور" شعار جميع مِؤسسات الدولة التي لم تتحلّ بالحد الأدنى من الموضوعية، إلى درجة أن لا أحد من العامة ممن صوتوا "لا" كان يجرؤ على التعبيرعن موقفه علناً، لأن "نعم" كادت تتخذ طابعا مقدساً. وهكذا، فاقت نسبة من شارك من المغاربة في الإستفتاء بـ "نعم" كل التوقعات، وتم اعتماد الدستور الجديد الذي لازلنا ننتظر سبل تنزيله، وكأنه كتاب مقدس اختلف في تأويله الفقهاء والعلماء.
بعد الدستور، جاء دور الإنتخابات التي شكلت فرصة للأحزاب السياسية التي لم تستفد من الحكم فيما سبق، للتكشير عن أنيابها، وطرح خططها وخطاباتها الرنانة والجادة حول كيفية محاربة الفساد والنهوض بالبلاد، مع ما صاحب ذلك من اتهامات للأحزاب الأخرى بالتسبب بالفوضى والاحتجاجات التي كادت تعصف بالبلاد. ويبدو أن حزب العدالة والتنمية كان الأكثر إقناعا في هذه اللعبة، بحيث فاز بالانتخابات، وشكل حكومة مع أحزابٍ كان يعتبرها، بالأمس القريب، أحزابا فاسدة حتى النخاع.
قبيل الانتخابات، كان مناضلو العدالة والتنمية والمتعاطفون معه، يزأرون كالأسود في كل مكان، متباهين بنزاهتهم ولحاهم ومرجعيتهم الإسلامية، كما كانوا يدّعون. انتقدوا كل شيء رأوه غير مناسب، وبلغ الحد أن تخصص أمينهم العام في انتقاد المؤسسة الملكية نفسها. ومن جملة ما طالب به رئيس الحكومة، رئيس الحزب، عبد الإله بن كيران، اعتماد ملكية برلمانية حقيقية، وإلغاء طقوس حفل الولاء للملك، وكذلك ضمان عدم إجبارية تقبيل يد الملك، ولا شك أن هذه الجرأة أكسبته أصواتا إضافية في الإنتخابات. إلا أن بن كيران، تنكّر للجميع في أول حفل ولاء يحضره بصفته رئيساً الحكومة، وشاهده الجميع، عندما ردد مع الجموع "الله يبارك في عمر سيدي"، ليصرّح فيما بعد للتلفزة الرسمية أن حفل الولاء عادة أجدادنا، ولا يمكننا التخلي عنه.
هناك أمر أشد خطورة من هذا كله، بحيث يتحدث رئيس الحكومة عن وجود جهات ما في الخفاء تضيّق عليه الخناق، وتمنعه من مزاولة بعض من مهامه التي يخولها له الدستور، وقد وصفهم بالتماسيح والعفاريت مرات، فهؤلاء التماسيح، يمنعونه، وإخوانه، من إصلاح ما أفسده الدهر على حد تعبير أعضاء من الحكومة نفسها.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم ينسحب حزب العدالة والتنمية من الحكومة، إن كان ما يدعيه رئيسها صحيحا؟ أم أن التماسيح والعفاريت منعوه حتى من تقديم الإستقالة، وجعلوا منه، ومناضليه، في خدمة أجندة الدولة العميقة!؟
وفي سياق الإستعدادات للإستحقاقات المقبلة، لا يفوت بنكيران أي فرصة لتذكير المغاربة بالشعبية التي يعتقد أنه يحظى بها في الأوساط الشعبية، إضافة إلى تذكيرنا بإمكانية نزول مناضليه إلى الشارع في حالة وقوع تزوير في الإنتخابات المقبلة، والظاهر أن رئيس الحكومة سينزل إلى الشارع وحده هذه المرة، لأن الأوهام التي سانده من أجلها من سانده، تحطمت في خمس سنوات، شهد المغرب خلالها من سياسات التقشف ما لم يشهده من ذي قبل.
ليست مشكلة رئيس الحكومة الإخلاف بوعوده الكاذبة التي كان يزفها للمغاربة أينما حل وارتحل في حملته الإنتخابية، بل في محاولة إقناعنا بأن كل ما يفعله صواب، وأنه قادر على إسقاط الفساد، وأن كل ما يحتاجه هو بعض الوقت، الأمر الذي طالبنا به الساسة منذ فجر الاستقلال.
كان الأجدر بمناضلي "العدالة والتنمية" أن يلزموا الصمت بعد فوزهم في انتخابات 2011، وسيثبت التاريخ لا محالة أن الحزب، كغيره من الأحزاب التي لا حول لها ولا قوة لها إلا بالمؤسسة الملكية. المتتبع لشؤون الأحزاب السياسية في المغرب، على اختلاف توجهاتها، يشكّ في قدرتها على النهوض الفعلي بالبلاد، والدفع بعجلة النمو والتقدم.
يبدو أن من الأفضل أن تهتم هذه الأحزاب بإصلاح نفسها أولا، ثم بعد ذلك النظر في إمكانية إسقاط الفساد الذي أبى أن يرحل بعد خمس سنوات من رحيل البوعزيزي.
8725D0C8-C66E-4116-A310-780C51998E0C
بدر الشرشاوي (المغرب)